فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 20

وقد كبُرَ على القوم نكيرهُ، فضحِكوا منه، فارتدَّ إلى نفسه مفكِّرًا في الأمر، فتحدّثه أنّه لن يتمَّ له تغيير الحال في مثل سنه، وأنه لابُدَّ له من أشياء يحققها لتكون ظهيره: من علم أوسع من العلم الذي ملك، وتجاربَ وحنكة ما ظفر منها بشيء بعدُ، وسنٍّ أكبر يطاع في مثلها إذا جهر بالحق وصدع به، فعزم أن يبدأ.

إنّ مثل هذه الرؤية الصحيحة في هذه السنّ الصغيرة، لا تكون إلا من شيخ محنّك حكيم، أو عبقريّ مُوَفَّق ومُلْهَم .. وقد كانَهُ هذا الصَّبِيُّ الرَّجلُ!.

ولكأنّه في بؤرة تصوُّره العميق لحاضر أمره ومستقبله، قد حضرت ملكاته كلها، وظل الشأن موقوفًا على إنفاذ العزم.

فإذا عزيمته حاضرة عنده، تتوثَّب به، وتحدوه على المضي بِدارًا إلى غايته، وقد فعل.

ومن المرجح أنّ ذلك كان قبل بلوغه العشرين.

غادر مسقط رأسه إلى حيثُ يتاح له أن يعدّ نفسه إعدادًا كاملًا للاضطلاع بالأمر الكبير الذي ينوي تحقيقه.

فإلى أي ناحية اتّجه ورحل؟.

قَصرَ مؤرّخوه المقرّبون مواضعَ رحلته على البصرة والأحساء والحرمين، وأضاف مؤرّخوه الثانويّون أقطارًا ومدنًا كثيرة .. أضافوا مصر والقدس ودمشق وحلب واسلامبول وبغداد وكردستان وهمذان وأصفهان والرّيَّ وقُمْ، وسمِعتْ بأخرة من يقول أنه قرأ في كتاب مخطوط لشيخ من الموصل يقول فيه: إنّه (أي محمد بن عبدالوهاب) أخذ عنه. والأدلة، لتصحيح هذه المضافات إلى الأقطار الثلاثة، ليست متوافرة.

ويعنينا من هذه الرحلات أن نعرف ماذا أفاد من علم، وكسب من تجاربَ، وخبر من أحوال هذه المجتمعات في شرقي جزيرة العرب وغربيها وشماليها، وماذا انعكس من هذا كلّه على فكره من تصورات، وارتسم في ذهنه من خطوط الإصلاح ومساره.

كانت هذه المدن التي رحل إليها طلبًا للعلم، أكبر مباءات العلوم العربية والشرعية في جزيرة العرب، يفد على مدارسها الطلابُ من نجد ومن الأقطار الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت