الصفحة 9 من 151

والقصة في القرآن ليست عملا فنيا مستقلا في موضوعه وطريقة عرضه وإدارة حوادثه - كما هو الشأن في القصة الفنية الحرة , التي ترمي إلى أداء غرض فني طليق - إنما هي وسيلة من وسائل القرآن الكثيرة إلى أغراضه الدينية . والقرآن كتاب دعوة دينية قبل كل شيء ؛ والقصة إحدى وسائله لإبلاغ هذه الدعوة وتثبيتها . شأنها في ذلك شأن الصور التي يرسمها للقيامة وللنعيم والعذاب , وشأن الأدلة التي يسوقها على البعث وعلى قدرة الله , وشأن الشرائع التي يفصلها والأمثال التي يضربها ... إلى آخر ما جاء في القرآن من موضوعات .

وقد خضعت القصة القرآنية في موضوعها , وفي طريقة عرضها , وإدارة حوادثها , لمقتضى الأغراض الدينية ؛ وظهرت آثار هذا الخضوع في سمات معينة سنعرض لها بعد قليل . ولكن هذا الخضوع الكامل للغرض الديني , ووفاءها بهذا الغرض تمام الوفاء , لم يمنع بروز الخصائص الفنية في عرضها . ولا سيما خصيصة القرآن الكبرى في التعبير . وهي التصوير .

وقد لاحظنا من قبل أن التعبير القرآني يؤلف بين الغرض الديني والغرض الفني , فيما نعرضه من الصور والمشاهد . بل لاحظنا أنه يجعل الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني , فيخاطب حاسة الوجدان الدينية , بلغة الجمال الفنية . والفن والدين صنوان في أعماق النفس وقرارة الحس , وإدراك الجمال الفني دليل استعداد لتلقي التأثير الديني , حين يرتفع الفن إلى هذا المستوى الرفيع , وحين تصفو النفس لتلقي رسالة الجمال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت