ومن الحوادث الطريفة في هذا الباب أن بعض الإخوة عرض على أحد شيوخنا قصيدة له ليعطيه رأيه فيها. فلما نظر شيخنا فيها، قال له: هل درست ألفية ابن مالك؟ فقال الطالب: لا.
قال: فلا تنظم الشعر حتى تدرس الألفية.
واعلم أنهم جوزوا الخروج على بعض تلك القواعد فيما يسمى ضرورة شعرية، وأشهر تلك الضرورات ما يلي:
1-صرف الممنوع من الصرف، كقول النابغة الذبياني (الكامل) :
فلتأتينْك قصائدٌ وليركبنْ *** جيشٌ إليك قوادم الأكوار
فصرف لفظة (قصائد) لضرورة الوزن.
2-قصر الممدود، ومنه قول أستاذنا الشاعر محمد العوفير (الكامل) :
هذا خيال لاح من أقصى السما *** في الغدر يرفل ضاحكا متبسما
فقصر (السما) مع أن أصلها ممدود (السماء)
3-إبدال همزة القطع وصلا كقول الشاعر (الطويل) :
ومَنْ يصنعِ المعروفَ معْ غيرِ أهْلِه *** يلاقي الذي لاقى مُجيرُ امِّ عَامرِ
فوصل همزة (أم) مع أنها همزة قطع في الأصل
4-تسكين المتحرك، خاصة في ضمير الغائب والغائبة (هو وهي) ، ومنه قول المتنبي (الطويل) :
وقفتَ وما في الموت شك لواقف *** كأنك في جفن الردى وهْو نائمُ
5-إشباع الحركة حتى يتولد منها حرف مد، كقول المتنبي (الطويل) :
وفتانة العينين قتالة الهوى *** إذا نفحت شيخا روائحُها شَبَّا
أشبع الفتحة من (شبَّ) حتى صارت (شبَّا) .
وهذا كثير في الضمائر (همو) ، (بهي) ، (لهو) الخ.
واعلم أن الضرورات لا تنحصر بعدد معين، وقد ذكر النحويون منها عددا كبيرا في ثنايا كتبهم. والاعتماد - بعد تنظير النحويين - على تصرف الشعراء، لأن الضرورة قد تكون ثقيلة على السمع، ممجوجة في الطبع الشاعري، وإن أجازها أهل النحو.
وكلما كان الشعر أنقى من الضرورات، كلما كان أجمل وأسلس.
وينبغي هجر بعض الضرورات مطلقا، وإن ذكرها النحويون، ووجدت لها شواهد في أشعار العرب؛ وذلك مثل: مد المقصور، ومنع صرف المنصرف وفك الإدغام ونحوها.
والله أعلم.
الدرس السادس: البحر الطويل