أما عبد القاهر الجرجاني - رحمه الله - فيرى أن هناك فرقًا لطيفًا بين التمثيل والتشبيه يوضحه بقوله: ( فاعلم أن التشبيه عام ، والتمثيل أخص منه ، فكل تمثيل تشبيه ، وليس كل تشبيه تمثيلًا ) [1] .
وعلى هذا فالتمثيل الذي نحن بصدده في الحديث الشريف تشبيه بوجه عام ، وتمثيل بمعنى أخص ، لأنه يحتاج إلى تأمل وإعمال فكر ، وبخاصة لدى البحث عن أسرار هذا الجسد الذي تم تمثيل المؤمنين به ، وعلى الطريقة التي يتم فيها التعاون العجيب بين أنسجته وأعضائه وسائر أجهزته .
قال ابن أبي جمرة - رحمه الله -: ( الحديث يدل على أن المؤمنين كلهم وإن تباينوا أو تباعدوا كالجسد الواحد ، كلما أصيب أحدهم بشيء أصاب الجميع منه نسبة ) [2] .
فإذا وقفنا أمام قضية التمثيل في الحديث الشريف ، نتلمس مواطن الجمال في الصورة الرائعة ، وجدنا أنها ترسم لمجتمع الإيمان صورة حية بديعة وأخاذة ، تَشُدُّ أبصارنا وتوقظ ضمائرنا ، يبدو فيها هذا المجتمع ، وقد تآلفت عناصره ، وامتزجت جماعاته في أنحاء المعمورة ، لتشكل جسدًا واحدًا ، تسري فيه الروح ، وتنبض في قلبه كل معاني الحب والعطف والرحمة ، وتنطوي في نفسه كل المشاعر النبيلة ، فهو عند السراء يفرح ويترنم ، وعند الضراء يتأوه ويتألم .
إنه لجسد تتجاذب عواطفه ومشاعره ، حتى إذا سمعت أذنه ما تطرب له من حلال ، بعثت به - حبًا وكرامة - إلى سائر أنحاء الجسد ، فانبسطت أسارير وجهه ، وبدا البشر على محياه ، وأرسلت العين دمعة الفرحة على وجنته ، حتى يتملك السرور كل ذرة في هذا الجسد ، فيهتز طربًا ، وينتشي سرورًا . أما إذا سمعت الأذن نبأ كارثة حلت ببعض المسلمين ، أو أبصرت العين منظر فاجعة نزلت بالمستضعفين ، فإن الخيال يسرع إلى رسم هذه اللوحة القاتمة الحزينة ، فتتمثلها النفس ولا تفارقها ، فتدفق أمواج الألم والحزن في النفس .
(1) أسرار البلاغة / 84 .
(2) بهجة النفوس: ( ج4 / 175 ) .