هكذا أمة الإيمان لا تكتحل عينها بنوم هانئ ، إذا نزل الضر ببعض أفرادها ، أو حل البلاء ببعض أجزائها ، أو انتهكت بعض حرماتها ، أو دُنِّست بعض مقدساتها ؛ وإذا كان الهمُّ عند أصحاب الدنيا يملأ صدورهم ، فيحرمهم لذة النوم إذا فقدوا شيئًا من متاع الدنيا الفانية ، فإن أمة الإيمان أشد اهتمامًا بدينها وأعراضها ومقدساتها .
9 -الحُمَّى:
قال ابن حجر - رحمه الله -: ( وأما الحُمَّى فلأن فقد النوم يثيرها ، وقد عَرَّف أهل الحِذْق الحُمَّى بأنها: حرارة غريزية تشتعل في القلب ، فتشب منه في جميع البدن ، فتشتعل اشتعالًا يضر بالأفعال الطبيعية ) [1] .
وجاء في مختار الصحاح: ( وأَحمَى الحديدَ في النار فهو مُحمى ، ولا تقل: حماه ) [2] .
وقال الراغب الأصفهاني: ( وحُميّا الكأس سورتها وحرارتها ، وعبر عن القوة الغضبية إذا ثارت وكثرت بالحَمِيَّة ) [3] .
هكذا إذن تفعل الحمى بالمؤمنين إذا مس الضر بعضًا من إخوانهم ، أو نزل البلاء بجزء من أوطانهم ، إذ يحسون بأن النار تشب في أجسادهم ، فتكويها ، وتصعد إلى رؤوسهم ، فكأنها مِرجل تغلي الأدمغة فيها .
وبعد هذه الدراسة الموجزة لمفردات الحديث النبوي الشريف ، واستنطاق بعض أبعادها اللغوية ، لا يسعنا إلا أن نُقِرَّ بكل تقدير واحترام بسعة هذه اللغة ، وقدرتها على التعبير والتصوير ، وأن نعترف بقدرة هذا الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - على اختيار الألفاظ المناسبة للمعاني التي يريد إبرازها ، بحيث تؤدي اللفظة في مكانها المعنى الذي يريده - صلى الله عليه وسلم - منها ، دون أن يتمكن غيرها من الألفاظ لو حل محلها أن يؤدي معناها ، { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى } صلى الله عليه وسلم .
(1) فتح الباري: ( ج10 / 439 )
(2) مختار الصحاح / 158 .
(3) مفردات الراغب / 132 .