وهذه المعاني موفورة في أمة الإيمان ، بحيث إذا نزل أقل الضر بالمؤمن فاشتكى ، أو حل البلاء بجزء من أمة الإيمان ، تجمع المؤمنون ، ودعا بعضهم بعضًا ، وأقبلوا مسرعين كسرعة البرق المنطلق من السحابة ، لمدِّ يَد العون ، والمشاركة الصادقة الجادة ، بعيدًا عن التمثيل الرخيص ، وإظهار الحرقة الكاذبة ، لاستمالة العواطف وكسب المواقف ، وإنما ببذل كلٍّ ما وسعه حسب طاقته وقدرته ، حتى يتوفر ما يكفي لرفع البلاء ، ورد الاعتداء .
وبذا تميزت أمة الإيمان من غيرها من الذين وصفهم الله سبحانه ، فذمهم على تقصيرهم في تعاطفهم مع إخوانهم بقوله - عز وجل -: { كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ ، وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ } [1] ، حتى صار هذا الوصف خصيصة المكذبين بالدين ، كما أشار إلى ذلك الحق سبحانه: { أَرَأَيتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ ، وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ } [2] .
هكذا إذن تبرز تلك الصورة المشرقة من التآلف في أمة الإيمان ، إذا نزل البأس في جانب من جوانبها .
لكن هذه الصورة المشرقة من التعاطف في أمة الإيمان إذا لم تجد طريقها لتوفير ما يكفي لرفع البلاء ، ورد الاعتداء ، لظروف صعبة تمر بها الأمة ، بسبب تداعي أمم الكفر عليها قاطبة ، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، فإنها عندئذ تنقلب كسيرة حسيرة ، ويعتريها الهم والغم لما أصابها ، تمامًا كما تداعى الحيطان ، أو الحَمولة أو الإبل إذ تضمر ويصيبها الهزال ، ولعلها لا تستطيب طعامًا ، ولا تستسيغ شرابًا ، بل لعل البسمة لا تجد طريقها إلى ثغرها حتى يزول الذي بها نزل ، وتعود العافية إلى كل البدن .
(1) من سورة الفجر: ( الآيتان / 17 ، 18 )
(2) من سورة الماعون: ( الآيات / 1 - 3 )