فالمالكيون يروون عن ابن القاسم أنه قال: كفى بقول مالك حجة ، ولو رأيت مالكًا لاستعظمت مخالفته ، وأنه كرّر هذا القول مرارًا .
وروي عن بعض متفقهة الحنفيين أنه قال: أبو حنيفة كان أعلم بالقضاء من محمد ص .
وذُكر عن الربيع أنه قال: الشافعي لا يخطئ في واو ولا ألف ، وحدثني محمد بن يحيى بن غالب عن الخليل بن أحمد البستي أنه قال بعض الحنبليين: أحمد بن حنبل عظمة .
قال أبو محمد رحمه الله: وهذه الأقوال شنيعة ، وبعضها كفر مجرد ، وهو القول بأن أبا حنيفة أعلم بالقضاء من رسول الله ص ، وهذا كلام يغني إيراده عن تكلف الرد عليه بأكثر من أن نقول: قائل هذا القول عليه لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين ، فما يخرج هذا الكلام من قلب مسلم .
وأما الذي ذكروه عن ابن القاسم من قوله: كفى بقول مالك حجة ، فما هذا يصح عنه البتة ؛ لأنه ضلالة عظيمة ، وقول شنيع ، وإذا قال الله عز وجل: { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } النساء آية 165 ، فكيف يقول مسلم له مُسكة عقل: إن قول أحد بعد النبي ص حجة ؟!
وكذلك قوله: لو رأيت مالكًا لاستعظمت مخالفته ، قال أبو محمد رحمه الله: فيا ليت شعري ! لو رأى هذا المخاطب مالكًا ماذا كان يرى فيه مما يستعظم مخالفته ؟ أتراه كان يرى في يده عصا يقلبها حية ؟ أو يراه يبرئ الأكمه والأبرص أو يحيي الموتى ؟ أو يراه يطعم النفر الكثير من الطعام اليسير ؟ أو يراه ينبع الماء من بين أصابعه ؟ أو يراه يشق القمر ؟ أو يراه يأتي بكلام معجز ؟ .
هذه الأمور التي يستعظم من رآها مخالفة من رآها منه ، لا رؤية إنسان كسائر الناس ، ولا فرق ، يُفتي برأيه وحسب ما أداه إليه اجتهاده ، فيخطئ ويصيب كما فعل كل مُفتٍ سواء وسواء .
وما أرى هذا القول يصح عن ابن القاسم أيضًا ، فإنه قول في نهاية الغثاثة والسقوط ، ولعمري لقد رأى مالكًا سفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة ، وحماد بن زيد ، والأوزاعي ، والليث ، وابن جريح ، وابن أبي ذئب ، وعبد العزيز بن أبي سلمة ، ثم رآه أيضًا وكيع بن الجراح ، وعبد الله بن المبارك ، والوليد بن مسلم ، ويحيى بن سعيد القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، والشافعي ، وهؤلاء أئمة المسلمين في عصرهم ، فما منهم أحد استعظم مخالفته ، بل ما استحلوا متابعته ، ولا رضوا لأنفسهم تقليده ، ولا الانتماء إلى مذهبه ، ولا وقع لهم هذا الأمر المجهول الذي يحكونه عن ابن القاسم ، ولعلهم كذبوا عليه .
ثم قد رآى مالكًا أبو يوسف القاضي وناظره وجالسه ، وكذلك محمد بن الحسن ، فما استعظما مخالفته ، بل مالا عنه إلى غيره ، وكذلك ما يشك في رؤية يحيى بن سليمان الجعفي ، والحسن بن زياد ، ونوح بن دراج ، ومحمد بن عبد الله الأنصاري له ، فما استعظموا مخالفته ، بل مالوا إلى زفر بن الهذيل تلميذ أبي حنيفة ، وهو فتى من أصحابه لم يبلغ الخمسين عامًا ، وكذلك أيضًا قد رآى مالكًا أسد بن الفرات ، وهشام بن عبد الله الرازي ، ورويا عنه ، ثم لم يستعظما مخالفته ، بل تركا قوله ، ومالا إلى أبي يوسف ومحمد بن الحسن تلميذي أبي حنيفة .
وكذلك ما يُمترى في رؤية أبي إسحاق الفزاري له ، وكذلك أيضًا مخلد بن الحسن ، وبشر بن الوليد ، ومحمد بن سماعة ، ويحيى بن هلال ، فما استعظموا مخالفته ، بل مالوا عنه إلى الأوزاعي وإلى أبي يوسف ومحمد بن الحسن ، وكذلك رآه وأخذ عنه الوليد بن مسلم ، ثم لم يستعظم مخالفته بل مال عنه إلى الأوزاعي .
ثم دع هؤلاء ، فقد رآه أصحابه: ابن أبي حازم ، والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي ، وابن نافع ، ومطرف ، وابن الماجشون ، وابن كنانة ، وابن وهب ، وأشهب ، وجالسوه سنين ، وكتبوا علمه ، ولم يستعظموا مخالفته ، بل خالفوه الخلاف الكثير العظيم ، ولا وقع لهم هذا الأمر الذي يحكونه هؤلاء عن ابن القاسم وحده ، على أنه قد روي عنه أنه خالفه في نيف وثلاثين مسألة ، وإن كانوا يروون أنه قال: ما خلفت مالكًا إلا بمالك ، وهذا أيضًا فاسد من القول جدًا ، لأن المسائل التي خالفه فيها لولا أنه استحق الخلاف عنده ما خالفه ؛ لأنه لا يجوز لمسلم خلاف مالا يحل عنده خلافه ، فعلى كل حال ، قد استجاز ابن القاسم مخالفة مالك ، ولم يستعظمها كما يحكي هؤلاء عنه ، ويحكون أيضًا عن ابن وهب أنه قال: الحديث مضلة إلا للفقهاء ، ولولا مالك والليث لضللنا . !
قال أبو محمد رحمه الله: وهذا بعيد جدًا عن ابن وهب أن يقول مثل هذا الكلام الباطل القبيح الجامع للبلاء ، الناقض لعرا الإسلام .
وليت شعري ! إذا كان الحديث الثابت عن رسول الله ص مضلة ، فأين المهداة ؟ أفي الاستحسان والرأي يُحرّم بها في دين الله تعالى ويحلل ، وتُفرض بها الفرائض ، وتسقط بهما الشرائع ، وتحدث بها الديانة ، ويحكم بها على الله عز وجل ؟! إن هذا لهو الضلال المبين .
والله تعالى يقول مخاطبًا لنبيه ص: { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } النحل آية 44 ، فلم يجعل الله عز وجل التبيين إلا في حديث رسول الله ص لا في شيء سواه .
وليت شعري ! من هم الفقهاء إلا أصحاب الحديث العالمون بصحيحه ، الذين يدينون به ربهم من السقيم الساقط الذي يعول عليه أهل الرأي .
وأما أصحاب الحديث فهم العالمون بناسخه من منسوخه ، وكيف يضم إلى القرآن وكيف يستعمل جميعه ، ويستثنى بعضه من بعض ، العالمون بأخبار الصحابة والتابعين من بعدهم ، فما نعلم الفقهاء إلا هؤلاء .
وأما من أخذ برأي إنسان واحد لا يعدوه ، فما يعرف ما صح عن النبي ص ، ولا ما أجمع عليه العلماء مما اختلفوا فيه ، فما عرف قط ما هو الفقه ، ولا للفقه إليه طريق ، بل هو خابط خبط عشواء في الدين ، راكب مضلة لا يدري حقيقة ما يعتقد من باطله .
ومن العجب أيضًا أن يقول القائل: لولا مالك والليث لضللنا . فليت شعري ! ، كيف كان المسلمون قبل أن يولد مالك والليث ؟! أعلى ضلال كانوا حتى ولدا هذا الرجلان ؟ حاش لله من ذلك ، نَبْرأ إلى الله عز وجل من كل هدى أتانا به مالك والليث مما لم يكن معروفًا عن رسول الله ص، ومن قبل أن يولدا هما وأبوهما ، ومعاذ الله من أن تكون هذه الصفة لأحد من الناس غير رسول الله ص ، الذي يقول له ربه تعالى: { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } سورة إبراهيم آية 1 .
وأيضًا: فإن القائل لهذا القول الساقط مفضّل لمالك والليث على رسول الله ص ، ولولا مالك والليث لضل ، ولم يستغن بالنبي ص عنهما ، وهذا كفر صريح مجرد .
وأيضًا: أفي ضلال هو من لقي العلماء غير هذين الرجلين ؟ إن هذا لعجب ، ومعاذ الله أن يكون هذا الكلام السخيف ثابتًا عن ابن وهب ، فإنه قد أخذ فأكثر عن سفيان الثوري وابن عيينة وابن جريج وعمرو بن الحارث وابن أبي ذئب ، فليت شعري ! أضلالًا أخذ عن هؤلاء أم هدى ؟! بل ما نقل العلماء قديمًا وحديثًا إلا الهدى الذي اهتدى به مالك والليث ومن قبلهما ومن بعدهما من الإنس والجن ، ومن العجب أن الجهّال المعجبين بهذا الكلام الفاسد لا يلتفتون إلى أقوال الليث ، فقد تركوا نصف الهدى ، فليزمهم على هذا أنهم على نصف الضلالة ، وقد قلنا إن مثل هذا لا يصح عن ابن وهب .
وهكذا الذي يُحكى عن الربيع أن الشافعي لا يخطئ في واو ولا ألف ، فهذا أيضًا عندنا كذب لا يصح عن الربيع ، وما يستجيز هذا القول فيمن دون رسول الله ص إلا ضعيف الدين ، ضعيف العقل ، وإنقاذ مثل هذا الجنون عن أولئك المقدمين أولى .
وأما الخشارة التي نحن فيها فأكثرهم: { أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون } النجل آية 21 ،: { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا } الفرقان 44 ، لا يحققون حقيقة ، ولا يأنفون من حماقة ، ولا يسألون عن برهان ، ولا يبالون كيف أخذوا دينهم ، في اتباع ما وجدوا عليه آباءهم وكبراءهم ، ومن نشؤوا بين أظهرهم ، كما فعل أهل الكتاب سواء سواء ، وقد أنذر رسول الله ص بذلك إذ اخبر أننا سنركب سنن من كان قبلنا ، حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلناه ، فقيل له: يا رسول الله ، اليهود والنصارى ؟ قال: فمن إذًا ؟ أو كلامًا هذا معناه ، نعوذ بالله من الخذلان والضلال ، ونسأله الثبات على ما مضى عليه الصحابة والتابعون ، ومن قفا سبيلهم وصبر على مُرّ الحق إذا فسد الأكثر ، وأن يعصمنا من بدعة التقليد المُحدَث بعد القرون الثلاثة المحمودة ، آمين .
قال أبو محمد رحمه الله: ولو استطاعت هذه الطائفة المستأخرة من الحنفية والمالكية أن يدّعوا لصاحبهم أنه تكلم في المهد ما تأخروا عن ذلك .
فقد رأيت في بعض الكتب التي جمعوها في فضائل مالك رحمه الله: أنه كان في فخذه مكتوب بالنور: ( مالك عدّة الله ) وأدخلوا في فضائلهم أنه قام خمسًا وعشرين سنة ليس بينه وبين مسجد رسول الله ص إلا نيف وعشرون خطوة ، ولم يُصَلّ فيه صلاة فرض ولا جمعة .
وهذا لا يدخل في الفضائل أصلًا ، بل هو مما يجب أن يُعتذر له منه ، وما نظن به في ذلك إلا خيرًا أو عذرًا .
فإما عذر صحيح عند الله تعالى وهو أولى به عندنا ، وإما تأويل تأوله من أنه كان لا يستجير الصلاة خلف الأمراء الفسّاق ، فإن هذا: فهو تأويل أخطأ فيه ، هو فيه مأجور أجرًا واحدًا ؛ لأن النبي ص أمر بالصلاة خلف الأمراء المؤخرين لها عن وقتها ، وليس في الفسق أكثر من فعل من فرّط في الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها .
وقد سمعت بعضهم يقول: إن مالكًا رأى عجوزًا رأت النبي ص ، قال أبو محمد رحمه الله: وهذا كذب لا خفاء به ؛ لأنه لم يعش بعد أنس بن مالك رضي الله عنه احد رأى النبي ص إلا أبو الطفيل عامر بن وثلة وحده ، وكان موت أنس بن مالك قبل مولد مالك ، وما ذكر احد قط أن مالكًا رأى أبا الطفيل .
وقد ذكروا أنه المراد بـ ( عالم المدينة ) في الحديث المروي من طريق أبي الزبير هو مالك ، وهذا تقوّل منهم على رسول الله ص بغير علم ، ومن قطع على مراده ص فقد كذب عليه ، فليتبوأ مقعده من النار ، وقال تعالى: { ولا تقف ما ليس لك به علم } الإسراء آية 36 ، وقال تعالى: { وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا } النجم آية 28 ، وقال تعالى: { وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم } النور آية 15 ، فمن قطع بأن عالم المدينة المذكور في ذلك الحديث لو صح هو مالك بن أنس فقد قفا ما لا علم له به ، وقال ما ليس له به علم ، واتبع الظن ، والظن أكذب الحديث ، وقال على رسول الله ص بظنه فصار كاذبًا عليه ، نعوذ بالله من الضلال ، وأيضًا فلو صح لهم أنه مالك بيقين لما كان في ذلك متعلق أصلًا ؛ لأنه ليس في ذلك الحديث أنه لا يوجد مثله في العلم ولا نظيره ، وإنما فيه أنه لا يوجد أعلم منه ، فإذا كان من الممكن أن يوجد مثله في العلم في زمانه فليس هو أولى بما وجد التقدم في العلم ممن هو مثله في ذلك ، ولا في الحديث أيضًا إنه يوجد بعدَه أعلم منه ، فقد سقط تعلقهم به جملة ، وبالله تعالى نتأيد .
فإن منعوا ذلك وأخرجوه من الممكن وقطعوا أنه لا يكون ذلك أبدًا عجّزوا ربّهم وهذا كفر ، وهذا لا يعلم بنص ، وإذ لا نص في ذلك فقد منع من أين يكون فقد قطع على الله تعالى بالكذب ، فهم في هذا ما بين أمرين: إما كفر ، وإما كذب على الله تعالى ، فليختاروا ، وما فيهما حظّ لمختار ، فإن أبوا منهما معا ، فقد سقط تعلقهم بهذا الحديث ، وبطل تمويههم به على كل وجه ، وبالله تعالى التوفيق .
وقال منهم قائلون: قال سفيان بن عيينة: كانوا يرون أنه مالك .
قال أبو محمد رحمه الله: وهذا لو صح عن سفيان ، فإن كان يكون زنًا من الذين حكى ذلك عنهم سفيان ، ولعل سفيان إنما أخبر بذلك منكرًا عليهم ، ولعلهم كانوا من أصحاب مالك وتلاميذه ، وهذا الذي لا يجوز أن يُظن بسفيان وغيره ؛ لأنه كان عبدًا اتَّقى الله عز وجل من أن يقطع على رسول الله ص بغير نص صحيح ، وبرهان هذا هو ابن عيينة الذي ينسبون إليه هذا الباطل ، وهو مخالف لمالك ، فما قلده قط ، ولا اتبعه ، ولا طلب فتياه ، ولا كتب أقواله ، ولا عمل بشيء من رأيه ، ولا في مسألة من المسائل ، فلو كان عالم المدينة المذكور هو مالك عند سفيان لما استجاز مخالفتته ، ولا استحل تعطيل فتياه .
وأيضًا: فقد أخبرنا يوسف بن عبد الله بن أبي جعفر عن أحمد بن سعيد بن حزم الصدفي عن قاسم بن أصبغ عن محمد بن إسماعيل الترمذي قال نا نعيم بن حماد قال حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ص: ( يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة ) قيل لسفيان: فمن تراه ؟ قال: قال نعيم بن حماد: فسمعته أكثر من ثلاثين مرة يقول: إن كان أحد فهو لعمري هذا العابد في المدينة ، يكنى أبا عبد الرحمن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب .
قال أبو محمد رحمه الله: فهذا يبين بطلان ظنهم في قول سفيان ، وأيضًا على أبي الزبير وهو مدلس ، ما لم يقل حدثنا ، أو أخبرنا ، فظهر بطلان ظنهم من كل جهة .
نعم ، وادعى بعضهم في الخبر الوارد من طريق عمرو بن حكام عن شعبة ورويناه أيضًا من طريق هشام عن داود بن أبي هند ، وفيه: ( أنه لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله ) أنهم أهل مذهب مالك ، وهذا من استجاز الكذب واستحلاله في الدرجة القصوى ، وما أفريقية والأندلس بأولى باسم المغرب من مصر والشام ، وأهلهما على خلاف مالك ، بل الظاهر على مذهب أهل السنة جملة ، ولا أيضًا من صحراء زناتة والغالب عليها الخوارج والمعتزلة ، والشيه على جبال كتامة ، وقد كانت أفريقية على رأي أبي حنيفة ، والأندلس على رأي الأوزاعي دهرًا طويلًا ، فما الذي جعل صرف الخبر المذكور إلى ما هما عليه الآن أولى من صرفه إلى ما كانتا عليه قبل ذلك ، ولا ندري إلى ما تؤول إليه حالهما في المستأنف ، إلا أن يدعوا علم الغيب ، فحسبك هذا ضلالًا .
وأيضًا: فبلا شك ندري أنه إذ قال عليه السلام: ( لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق ) فإن أهل الغرب كانوا حينئذ نصارى أولهم عن آخرهم ، ليس فيهم مسلم بوجه من الوجوه ؛ لأنه إنما فتحت مصر والشام في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وأفريقية في زمان معاوية رضي الله عنه ، وفتحت الأندلس في زمن الوليد بن عبد الملك ، وقد أيقنا أن النبي ص لا يقول إلا الحق .
فإن صح الحديث المذكور فنحن موقنون أنه عليه السلام لم يخص وقتًا دون وقت ، فإذا وجب أن يكون الأمر كذلك: فالأغلب أن ذلك الوقت لم يأت بهد ، ولعله عند نزول عيسى بن مريم عليه السلام ، وإلا فما يدر بهم ، والقول بالظن لا يحل أيضًا ، فإن حمل الحديث المذكور على ظاهره اولى ، بل لا يحل سوى ذلك بلا دليل من نص أو إجماع .
ونحن إذا تدبرنا ذلك الحديث وجدنا لفظه يوجب الذم لا المدح ؛ لأنه عليه السلام إنما كان يكون مخبرًا بأنهم لا يزالون ظاهرين على الحق ، والظهور في لغة العرب هو الغلبة ، فإنما يقتضي هذا اللفظ أنهم لا يزالون غالبين لأهل الحق حتى يأتي أمر الله .
قال أبو محمد رحمه الله: وهكذا وجدناهم أبدًا مخالفين للحق ، مخامرين له ، دافعين له ، فأول ذلك أن المباشرين لقتل عثمان رضي الله عنه كانوا من أهل الغرب من أهل مصر ، وهم كنانة بن بشر التجيبي ، وعمران بن سودان ، وقنبرة ، وعبد الرحمن بن غدير البلوي ، كلهم مصريون .
ثم بعد بذلك أمّر علي بن بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية رحمة الله عليه ، فعليٌّ صاحب الحق بلا شك ، ومعاوية مجتهد متأول مخطئ معذور مأجور أجرًا واحدًا ، إذ لا خفاء في أن الفرق في الفضل بين معاوية أبين من أن يُشكل على منصف ، وإن معاوية كان رحمه الله صاحبًا فاضلًا ، ولكن قال الله تعالى: { لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًا وعد الله الحسنى } الحديد آية 10 .
فعليٌّ بن أبي طالب مهاجر أول ، سابق بدري أحدي خندقي حديبي ، ومعاوية رحمه الله من مسلمة الفتح ، وكان معاوية الغالب لعليّ إلى أن مات ، والظاهر على حق عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه .
ثم ظهور الفاسق يزيد على حقٍ بقية معاوية من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين من أهل المدينة ، يوم الحرة ، وعظيم ما ارتكبه في الإسلام بأوباش أهل الغرب من أهل الشام ومصر .
ثم ظهور الفاسق الحجاج ومن قدّمه على حق أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ، وابن الزبير بقية الصحابة ، وصاحب الحق ، والحجاج ومن ولاة أهل الباطل والثورة ، وشق عصا المسلمين بلا تأويل أصلًا ، ولا بوجه له مخرج ، ورجمه مكة بأوباش أهل الغرب من أهل مصر والشام .
ثم ظهور جور بني مروان وآله ، فما رأى الناس عدلًا في تلك المدة إلا الجور المبين ، ولعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنابر ، والاستخفاف بالصلاة إلا عامين من ولاية عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه ، وستة أشهر من ولاية يزيد بن الوليد رحمه الله ، وكان الأمر في مدة سليمان على قصرها افتراءً وخفة .
ثم ظهور الكفرة بني عبيد الله بالمغرب وغلبتهم بالكفر المجرد ، ما بين البحر الشامي إلى ما وراء مكة والمدينة إلى الفرات ، قد طمسوا نور الإسلام ونكسوا أعلامه إلى يومنا هذا ، فما هذا الخبر إن صح إلا إنذارًا بظهور أهل الغرب على أهل الحق ، وغلبتهم إياه ، وطمسهم لآثاره ، وهو أعظم حجة عليهم .
فهذه صفة أهل الغرب وأهله عيانًا ، لا يقدر على دفعه إلا وقّاحُ الوجه ، مُدافعٌ للعيان ، لا يُبالي بمثله ، وليس بعضهم أولى بصحة دعواه من بعض .
وكل طائفة تدّعي أنها أهل الحق ، ولا حق إلا في كتاب الله عز وجل ، وسنة رسوله ص المبلغة بالسند الصحيح إليه عليه السلام فقط ، ولا بقي نور الإسلام وطلب السنن عن رسول الله ص كما يجب إلا بأقصى المشرق بخراسان وما هنالك .
وما الغرب فخال من ذلك كله ، صِفرٌ من جميعه إلا من الشاذ الفاذّ والنارد الغريب ، وكلهم مقلد لآبائه ، معرض عن سنة رسول الله ص وعن أحكامه ، وعن أحكام القرآن ، لا تجاوز تراقيهم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
قال أبو محمد رحمه الله: فهذا ما راموا به نصر قول مالك رحمه الله وتغليبه ، إلى حماقات سوى هذه يريدون أن يُعرِبوا بها فيُعجموا ، ويقصدون أن يبنوا فيهدموا ، من نحو قولهم: إن مالكًا رحمه الله صلى الصبح بوضوء العتمة أربعين سنة .
والعجب ممن أراد مدحه بهذا وهو خلاف ما كان عليه رسول الله ص وأصحابه رضي الله عنهم ، وقد صح عن ص أنه ما قام ليلة حتى الصباح ، وأنه عليه السلام نهى عن ذلك عبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبا الدرداء رضي الله عنهم .
وقال عليه السلام: ( قم ونم ) ، وأخبر عليه السلام أنه من رغب عن سنتي في ذلك فليس منه .
أفترى مالكًا في هذه الأربعين سنة لم يكن له إلى أهله حاجة ؟ ألم يمرض ؟ ألم تعرض له في الليل بولة ولا قرقرة ؟ ألم تغلبه سنة ؟ . إن هذا لعجب ، فهذا مع أنه ذم وبدعة ، فهو أيضًا كذب وفرية ومحال في الطبيعة .
وحكوا أيضًا عن ابن القاسم صاحبه رحمه الله: أنه كان يختم القرآن في رمضان مئتي مرة ، وهذه طامة من فضائح الكذب المشبع ؛ لأن هذا إذا قُسِمَ ، وقع لكل يوم وليلة ختم القرآن فيها ست مرات وثلثي مرة زيادة ، ومثل هذا من القول فهو أميل إلى الاستخفاف بالقرآن ، والاستهزاء بكلام الله عز وجل وتلاوته غير موفاة الحروف .
هذا لو أمكن ، ثم هو بعدُ معصية لله تعالى ؛ لأنه قد صح عن النبي ص أن لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث ليال ، ولم يختلف عن هذا أخد من الصحابة رضي الله عنهم في دون ذلك إلا في مرة واحدة في الليلة فقط ، ثم بعد هذا كله فهو محال وكذب ، أتراه لم ينم طول شهر رمضان لا ليلًا ولا نهارًا ؟ أما كانت عليه صلاة فرض ؟ أما كان عليه إفطار بأكل وشرب ؟ أما كان عليه شهود جمعة ؟ وإنصات للخطبة ؟ أما كان عليه وضوء وما يوجب الوضوء من بول وغيره وغسل جمعة ؟ أما كان من بني آدم فيأخذه من دندنة النهار والليل حيران وصداع ودوار وعشواء النفس وبحة الصوت ؟ أما كان يسأم ولا يفتر من قراءة القرآن ست مرات في كل بياض يوم وثلثا زيادة شهرًا كاملًا متصلًا ؟ هذه صفة الملائكة التي ذكر الله عز وجل فيهم أنهم لا يسأمون ولا يفترون ، وليست هذه صفة آدمي أصلًا ، أما يستحي من له مُسكة عقل أو دين من أن يحدث بمثل هذا الحديث الذي قد جمع فيه الكذب والمعصية ؟ ونسأل الله تعالى أن لا يخذلنا بمنه .
ويقولون: أن مالكًا ثبت على علم المدينة .
وهذا كلام في غاية الفساد ؛ لأن الذين خرجوا عن المدينة من الصحابة رضي الله عنهم وثم التابعين لهم ، ثم الفقهاء بعدهم كالحسن البصري ، وابن سيرين ، وسفيان الثوري ، والأوزاعي ، والليث ، وغيرهم ، إن أطلقوا عليهم أنهم بدّلوا الدين وأحدثوا شريعة ، فقد افتروا إثمًا عظيمًا ، فإن لم يبالوا بذلك ولا تورعوا عنه عاد ذلك عليهم ؛ لأنه إذا جاز ذلك على من ذكرنا ، جاز ذلك على من بقي في المدينة من الصحابة رضي الله عنهم ، وعلى من بعدهم ، وعلى تابعيهم ، وعلى مالك ومن معه ، وهذا كله هو الباطل المحض ، وقد أعاذ الله جميعهم من ذلك ، ونزعهم عنه ، ولا يظن ذلك بأحد منهم إلا فاسق خبيث .
وكذلك إن قالوا: إن عمر وعثمان رضي الله عنهما أغفلا تعليم رعيتهما من أهل العراق والشام ومصر أمور الدين ، وهم في طاعتهم ، يُوَلّون عليهم عُمّالهم من الصحابة ، وتَفِدْ عليهم وفودهم ، فَضَيَّع عمر وعثمان رضي الله عنهما تعليم شرائع الإسلام ، وأهملاهم وكتماهم الديانة ، فهذا إخراج للخليفتين المرضيين رضي الله عنهما عن الإسلام ، ولعمري إن الظان ذلك بهما أولى بهذه الصفة .
فصح أن الذي عند أهل المدينة هو عند غيرهم من فقهاء الأمصار سواء سواء ، ولا فرق ، إذ ليس العلم مكتومًا ، والحمد لله رب العالمين ، ولا أهل المدينة بعد افتراق الصحابة رضي الله عنهم في البلاد أولى بالعلم من غيرهم ، وبالله تعالى التوفيق .