أما الحنفية فيعمدون إلى تطويع الأصول وفق الفروع الفقهية ، فإذا خالفت القاعدة الأصولية الفرع الفقهي فإنهم لا ينظرون في الفرع الفقهي لينضبط مع القاعدة ، وإنما ينظرون في القاعدة الأصولية ويروضونها إلى أن تصبح منسجمة مع الفرع الفقهي ، ولهذا سميت مدرستهم بمدرسة الفقهاء .
وبسبب هذا الخلاف ، تباينت أنظار المدرستين"متكلمين وحنفية"حول مباحث أصولية عديدة ، ومنها المنطوق والمفهوم وما تضمناه من دلالات ...
ونظرا لأهمية المنطوق والمفهوم اعتنى العلماء بهما عناية بالغة وبينوا مسائلهما ليكون الطالب أو المستنبط على بينة مما يقرره من أحكام بالنفي أو الإثبات ...
إلا أن المدرستين لم تختلفا في كل شئ يتعلق بالمنطوق والمفهوم وإنما تتفقان على مسائل وتختلفان في أخرى، لذلك أقدم للقارئ في هذه الدراسة مقارنةً مبسطةً بالأمثلة أبين فيها أوجه الاتفاق والاختلاف بين المدرستين حول المنطوق والمفهوم ...
تمهيد
إن استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية يتوقف على أمور كثيرة ، منها فهم أساليب اللغة العربية ، ليتمكن المستنبط من ربط النصوص بعضها مع بعض ، بحيث يحمل العام على مخصصه، والمطلق على مقيده ، والمجمل على مبينه ... وبها يتمكن من معرفة دلالة الألفاظ على المعاني من حيث درجات الخفاء ومراتب الوضوح ...
وعلاقة اللفظ بالمعنى كعلاقة المعلول بعلته، بحيث تكون الدلالة بإطلاق اللفظ وتصور معناه ، لأن الألفاظ هي القوالب التي تستفاد منها المعاني ، وقد انقسم العلماء في تعريف الدلالة إلى فريقين حكاهما القرافي عن ابن سينا هما:
الأول: « فهم السامع من كلام المتكلم كمال المسمى أو جزءه أو لازمه » ' [1] ' .
الثاني: « كون اللفظ إذا أطلق دل » ' [2] ' . والفرق بين الفريقين هو: هل الدلالة ذاتية في اللفظ ، أم خارجة عنه ؟
(1) شرح تنقيح الفصول: ص23.
(2) نفس المرجع السابق: ص23.