فالصوم الصحيح هو الذي يحفظ فيه الصائم صيامه؛ فيحفظ البطن و ما حوى، و الرأس و ما وعى، و يذكر الموت و البلى، و يستعد للآخرة بترك زينة الحياة الدنيا، و يترك الشهوات التي أساسها شهوة البطن و الفرج، و يذكر بعد ذلك ما نهاه الله عنه من الشهوات المحرمة في كل وقت. و يذكر أيضًا أن الصوم هو في ترك هذه الشهوات، فما شرع الله الصوم إلا لتقويم النفوس و تأديبها.
الخاطرة الخامسة:
من فوائد الصيام
ذكر الأطباء و العلماء قديمًا و حديثًا أن الصوم يهذب النفوس، و أنه يزكيها و يقويها و أنه يكسب الأجسام ملاحة و صحة و قوة، حتى قال بعضهم: (سافروا تغنموا، و صوموا تصحوا) ("صوموا تصحوا". يروى هذا اللفظ ضمن حديث رواه ابن عدي في الكامل: 7/ 2521 من طريق نهشل بن سعد عن الضحاك عن ابن عباس. و نهشل متروك كان يكذب، و الضحاك لم يسمع من ابن عباس) .
فمعنى ذلك أن الصوم حماية للنفس، من الأخلاق المؤذية الضارة التي قد تفسد النفس و توقعها فيما يضرها.
كما أن فيه أيضًا تمرين النفس على الصبر و التحمل و المجاهدة، و أنت تحس بذلك إذا ما فاجأك أمر يحتاج منك إلى شيء من ذلك.
* فالإنسان الذي تعوَّد على الجوع، و صبر عليه مدة طويلة و صبر على الظمأ، إذا جاءه أمر مفاجئ، بأن وقع مثلًا في جوع شديد أو إذا ظمئ و لا يوجد ماء و هو في سفر، أو انقطع عنه الشراب كما يكون في الأسفار أحيانًا، فإذا كان قد مرّن نفسه على هذا العمل، لم يحس بذلك و لم يتأثر به، بخلاف من عوّد نفسه على تناول الشهوات في كل الأوقات، فإنه إذا افتقدها في وقت من الأوقات حصل عليه تأثر كبير، و أصيب بالأمراض و ربما أتى إليه الهلاك بسرعة؛ و ذلك لأنه لم يتعود هذا الأمر و لم يمرن نفسه عليه.
* كما أن للصيام أيضًا فائدة أخرى و هي: أن الصائم إذا أحس بالجوع تذكر أهل الجوع الدائم؛ تذكر الفقراء، و المساكين، و المستضعفين، الذين يمسهم الجوع في أغلب الأوقات في أكثر البلاد الإسلامية تذكر أن له إخوة يجمعهم و إياه دين واحد، دين الإسلام، يدينون بما يدين به و يعتقدون ما يعتقده، و