ولكنا نطوي عبرَها كلها ونعبرَها لنقف مع آيةٍ عظمى، آية عظمى تومض من خلال هذا العرض للقصة، إن هذه الآيات قد ذكرت تلك الفتنة العظيمةَ وذكرت تلك النهايةُ المروعةُ الأليمة لتلك الفئةُ المؤمنة، والتي ذهبت مع آلامها الفاجعة في تلك الحفرُ التي أضرمت فيها النار.
بينما لم يرد خبرُ في الآياتِ عن نهايةِ الظالمين اللذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات:
لم تذكرُ الآياتُ عقوبةُ دنيوية حلت بهم.
لم تذكر أن الأرض خسفت بهم.
ولا أن قارعة من السماءِ نزلتَ عليهم.
انتهاء عرضُ القصةِ بذكرِ مصيرِ المؤمنين وهم يُلقونَ في الأخدود.
والإعراض عن نهاية الظالمين الذين قارفوا تلك الجريمة فلم تُذكر عقوبتهم الدنيوية ولا الانتقام الأرضي منهم. فلما أغفل مصيرُ الظالمينَ؟
أهكذا ينتهي الأمر، أهكذا تذهبُ الفئةُ المؤمنةُ مع آلامها واحتراقها بنسائِها وأطفالِها في حريق الأخدود؟
بينما تذهب الفئةُ الباغية الطاغية التي قارفت تلك الجريمة تذهبُ ناجية؟
هنا تبرزٌ الحقيقةُ العظمى التي طالما أفادت فيها آياتُ الكتاب وأعادت، وكررت وأكدت وهي:
أن ما يجري في هذا الكون لا يجري في غفلةٍ من اللهِ جل وعلا، وإنما يجري في ملكِه.
ولذا جاء التعقيبُ بالغ الشفافية:
(وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض) .
فهذا الذي جرى كلِه جرى في ملكِه ليس بعيدا عن سطوتِه، وليسَ بعيدا عن قدرتِه إنما في ملكه:
(والله على كلِ شيء شهيد) .
فهذا الذي جرى لم يجري في غفلةٍ من الله ولا في سهو من الله.
كلا ... ولكن جرى والله على كل شيء شهيد، شهيدُ على ذلك مطلعُ عليه.
إذا فأين جزاء هؤلاء الظالمين؟
كيف يقترفون ما قارفوا، ويجترمون ما اجترموا ثم يفلتون من العقوبة؟ يأتي الجوابُ، كلا لم يفلتوا.
إن مجال الجزاء ليس الأرضَ وحدَها.
وليسَ الحياةَ الدنيا وحدها، إن الخاتمةَ الحقيقةَ لم تجئ بعد، وإن الجزاءَ الحقيقيُ لم يجئ بعد.
وإن الذي جرى على الأرض ليسَ إلا الشطر الصغير الزهيد اليسير من القصة.
أما الشطرُ الأوفى والخاتمةُ الحقيقةُ والجزاء الحقيقي فهناك: