[الحديد: 7] ، وَقَوْلُهُ: { وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُؤْمِنَاتِ } [التوبة: 72] ، وَقَوْلُهُ: { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } [الرحمن: 60] فَهَذِهِ الْآيَاتُ وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهَا كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَأَحْسَنُ الْأَعْمَالِ الْإِيمَانُ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ، وَمَنْ قَالَ بِتَخْلِيدِ الْمُؤْمِنِ فِي النَّارِ كَانَ قَدْ أَضَاعَ أَجْرَ عَمَلِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَضًا، وَلِأَنَّا وَجَدْنَا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ عَلَى الطَّاعَاتِ ثَوَابًا، وَعَلَى الْمَعَاصِي عِقَابًا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ يَرَى مَا عَمِلَ مِنَ الْمَعَاصِي دُونَ مَا عَمِلَ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَقَدْ عَمِلَهُمَا جَمِيعًا إِلَّا وَلِآخَرَ أَنْ يَعْكِسَ ذَلِكَ فَلَا يَجِدُ الْقَائِلُ بِذَلِكَ فَضْلًا، وَلِأَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى حُصُولِ طَاعَاتِهِ، وَاخْتَلَفْنَا فِي زَوَالِ حُكْمِهَا فَلَا يُرْفَعُ حُكْمُ مَا تَيَقَّنَّاهُ مِنْ حُصُولِ الطَّاعَاتِ بِمَعْصِيَةٍ لَا تَنْفِيهَا، وَلَا تُضَادَّهَا فَإِنِ احْتَجُّوا فِي إِبْطَالِ الشَّفَاعَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ، وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ } [غافر: 18] - [474] - فالظَّالِمُونَ هَهُنَا هُمُ الْكَافِرُونَ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مُفْتَتَحُ الْآيَةِ إِذْ هِيَ فِي ذِكْرِ الْكَافِرِينَ، فَإِنِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } [الأنبياء: 28] قِيلَ: هَذَا دَلِيلُنَا لِأَنَّ الْفَاسِقَ مُرْتَضًى بِإِيمَانِهِ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } [فاطر: 32] وَاصْطَفَيْنَا وَارْتَضَيْنَا وَاحِدٌ فِي اللِّسَانِ، ثُمَّ قَالَ: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ } [فاطر: 32] أَيْ مِنَ الْمُصْطَفِينَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَالظُّلْمُ هُوَ الْفِسْقُ فَأَخْبَرَ أَنَّ فِيهِمْ ظَالِمًا، وَقَالَ فِي قِصَّةِ يُونُسَ { إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [الأنبياء: 87] وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ أَوْجُهٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي قَوْلِهِ: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } [فاطر: 32] الآية قَالَ: كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ فِي الْجُزْءِ السَّابِعِ مِنْ كِتَابِ الْبَعْثِ مَذْكُورٌ بِشَوَاهِدِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى أَنْ يَشْفَعُوا لَهُ كَمَا قَالَ: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } [البقرة: 255] "قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:"وَلَا تَحْتَمِلُ الْآيَةُ غَيْرَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرْتَضِينَ عِنْدَ اللهِ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى شَفَاعَةِ مَلَكٍ، وَلَا نَبِيٍّ فَصَحَّ أَنَّ الْمَعْنَى مَا قُلْنَاهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللهَ لَا يَرْتَضِي أَنْ يُشَفِّعَ لِصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ لِأَنَّ الْمُذْنِبَ هو الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى الشَّفَاعَةِ، فَكُلَّمَا كَانَ ذَنْبُهُ أَكْبَرَ كَانَ إِلَى الشَّفَاعَةِ أَحْوَجَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اشْتِدَادُ حَاجَتِهِ إِلَى الشَّفَاعَةِ حَائِلًا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، وَلَيْسَ امْتِنَاعُ الشَّفَاعَةِ لِلْكَافِرِينَ لِأَنَّ ذَنْبَهُ كَبِيرٌ، وَلَكِنَّهُ بِجَحْدِهِ الْبَارِي الْمَشْفُوعَ إِلَيْهِ، أَوِ الرَّسُولَ