أما الأول: فنقول: لا نزاع أن المقدمتين إذا كانتا معلومتين وألفتا على الوجه المعتدل، أنه يفيد العلم بالنتيجة، وقد جاء في صحيح مسلم مرفوعًا: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) ، لكن هذا لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم ليستدل به على منازع ينازعه، بل التركيب في هذا كما قال أيضًا / في الصحيح: (كل مسكر خمر وكل خمر حرام) أراد أن يبين لهم أن جميع المسكرات داخلة في مسمى الخمر الذي حرمه الله، فهو بيان لمعنى الخمر، وهم قد علموا أن الله حرم الخمر وكانوا يسألونه عن أشربة من عصير العنب، كما في الصحيحين عن أبى موسى أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن شراب يصنع من الذرة يسمى المزْر، وشراب يصنع من العسل يسمى البِتْع، وكان قد أوتي جوامع الكلم، فقال: (كل مسكر حرام) . فأراد أن يبين لهم بالكلمة الجامعة ـ وهي القضية الكلية ـ أن (كل مسكر خمر) ، ثم جاء بما كانوا يعلمونه من أن"كل خمر حرام"حتى يثبت تحريم المسكر في قلوبهم، كما صرح به في قوله: (كل مسكر حرام) ، ولو اقتصر على قوله: (كل مسكر حرام) ، لتأوله متأول على أنه أراد القدح الأخير كما تأوله بعضهم.
ولهذا قال أحمد: قوله: (كل مسكر خمر) أبلغ؛ فإنهم لا يسمون القدح الأخير خمرًا، ولو قال: (كل مسكر خمر) فقط لتأوله بعضهم على أنه يشبه الخمر في التحريم، فلما زاد: (وكل خمر حرام) علم أنه أراد دخوله في اسم الخمر التي حرمها الله.
والغرض هنا أن صورة القياس المذكورة فطرية لا تحتاج إلى تعلم، بل هي عند الناس بمنزلة الحساب، ولكن هؤلاء يطولون العبارات ويغربونها.
/وكذلك انقسام المقدمة التي تسمى [القضية] ـ وهي الجملة الخبرية ـ إلى خاص وعام، ومنفى ومثبت ونحو ذلك، وأن القضية الصادقة يصدق عكسها وعكس نقيضها، ويكذب نقيضها، وإن جملتها تختلف ونحو ذلك.
وكذلك تقسيم القياس إلى الحملي الإفرادي، والاستثنائي التلازمي والتعاندي وغير ذلك، غالبه ــ وإن كان صحيحًا ــ ففيه ما هو باطل. والحق الذي هو فيه، فيه من تطويل الكلام وتكثيره بلا فائدة، ومن سوء التعبير والعي في البيان، ومن العدول عن الصراط المستقيم القريب إلى الطريق المستدير البعيد، ما ليس هذا موضع بيانه.
فحقه النافع فطري لا يحتاج إليه، وما يحتاج إليه ليس فيه منفعة إلا معرفة اصطلاحهم وطريقهم أو خطئهم.
وهذا شأن كل ذي مقالة من المقالات الباطلة، فإنه لابد منه في معرفة لغته وضلاله، فاحتيج إليه لبيان ضلاله الذي يعرف به الموقنون حاله، ويستبين لهم ما بين الله من حكمه جزاءً وأمرًا؛ وأن هؤلاء داخلون فيما يذم به من تكلف القول الذي لا يفيد، وكثرة الكلام الذي لا ينفع.
والمقصود هنا ذكر وجوه:
/الوجه الأول:
أن القياس المذكور لا يفيد علمًا إلا بواسطة قضية كلية موجبة. فلابد من كلية جامعة ثابتة في كل قياس. وهذا متفق عليه معلوم أيضًا؛ ولهذا قالوا: لا قياس عن سالبتين، ولا عن جزئيتين. وإذا كان كذلك وجب أن تكون العلوم الكلية الكلمات الجامعة هي أصول الأقيسة والأدلة، وقواعدها التي تبني عليها وتحتاج إليها.
ثم قالوا: إن مبادئ القياس البرهاني هي العلوم اليقينية التي هي الحسيات الباطنة والظاهرة، والعقليات والبديهيات والمتواترات والمجربات، وزاد بعضهم: الحدسيات. وليس في شيء من الحسيات الباطنة والظاهرة قضايا كلية؛ إذ الحس الباطن والظاهر لا يدرك إلا أمورًا معينة لا تكون إلا إذا كان المخبر أدرك ما أخبر به بالحس، فهي تبع للحسيات. وكذلك التجربة إنما تقع