الصفحة 41 من 148

ولهذا صار الناس في الإيمان والإسلام على ثلاثة أقوال: فالمرجئة يقولون: الإسلام أفضل؛ فإنه يدخل فيه الإيمان. وآخرون يقولون: الإيمان والإسلام سواء، وهم المعتزلة والخوارج، وطائفة من أهل الحديث والسنة وحكاه محمد بن نصر عن جمهورهم، وليس كذلك، والقول الثالث: أن الإيمان أكمل وأفضل، وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة في غير موضع، وهو المأثور عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

/ثم هؤلاء منهم من يقول: الإسلام مجرد القول. والأعمال ليست من الإسلام، والصحيح أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة كلها، وأحمد إنما منع الاستثناء فيه على قول الزهري: هو الكلمة. هكذا نقل الأثرم، والميموني وغيرهما عنه، وأما على جوابه الآخر الذي لم يختر فيه قول من قال: الإسلام الكلمة، فيستثنى في الإسلام كما يستثنى في الإيمان، فإن الإنسان لا يجزم بأنه قد فعل كل ما أمر به من الإسلام، وإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده) ،و (بني الإسلام على خمس) ، فجزمه بأنه فعل الخمس بلا نقص كما أمر كجزمه بإيمانه، فقد قال تعالى: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208] أي الإسلام كافة، أي في جميع شرائع الإسلام.

وتعليل أحمد وغيره من السلف ما ذكروه في اسم الإيمان يجيء في اسم الإسلام، فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء فيه، كما نص عليه أحمد وغيره، وإذا أريد به من فعل الواجبات الظاهرة كلها، فالاستثناء فيه كالاستثناء في الإيمان، ولما كان كل من أتى بالشهادتين صار مسلمًا متميزًا عن اليهود والنصارى، تجري عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين، كان هذا مما يجزم به بلا استثناء فيه؛ فلهذا قال الزهري: الإسلام الكلمة، وعلى ذلك وافقه أحمد وغيره، وحين وافقه لم يرد أن الإسلام الواجب هو الكلمة وحدها، فإن الزهري أجل من أن يخفى عليه ذلك؛ ولهذا أحمد لم يجب بهذا في جوابه الثاني خوفًا من أن يظن أن الإسلام ليس هو إلا الكلمة، ولهذا لما قال الأثرم/ لأحمد: فإذا قال: أنا مسلم فلا يستثني؟ قال نعم: لايستثنى إذا قال: أنا مسلم، فقلت له أقول: هذا مسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) وأنا أعلم أنه لا يسلم الناس منه، فذكر حديث مَعْمَر عن الزهري قال: فنري أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل.

فبين أحمد أن الإسلام إذا كان هو الكلمة فلا استثناء فيها، فحيث كان هو المفهوم من لفظ الإسلام فلا استثناء فيه، ولو أريد بالإيمان هذا، كما يراد ذلك في مثل قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] ، فإنما أريد من أظهر الإسلام، فإن الإيمان الذي علقت به أحكام الدنيا، هو الإيمان الظاهر وهو الإسلام، فالمسمى واحد في الأحكام الظاهرة؛ ولهذا لما ذكر الأثرم لأحمد احتجاج المرجئة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اعتقها فإنها مؤمنة) أجابه بأن المراد حكمها في الدنيا حكم المؤمنة، لم يرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لقيته بمجرد هذا الإقرار، وهذا هو المؤمن المطلق في كتاب الله، وهو الموعود بالجنة بلا نار إذا مات على إيمانه؛ ولهذا كان ابن مسعود وغيره من السلف يلزمون من شهد لنفسه بالإيمان أن يشهد لها بالجنة، يعنون إذا مات على ذلك، فإنه قد عرف أن الجنة لا يدخلها إلا من مات مؤمنًا.

فإذا قال الإنسان: أنا مؤمن قطعًا، وأنا مؤمن عند الله. قيل له: فاقطع بأنك تدخل الجنة بلا عذاب إذا مت على هذا الحال، فإن الله أخبر أن المؤمنين/في الجنة. وأنكر أحمد ابن حنبل حديث ابن عَمِيرة أن عبد الله رجع عن الاستثناء؛ فإن ابن مسعود لما قيل له: إن قومًا يقولون: إنا مؤمنون، فقال: أفلا سألتوهم أفي الجنة هم؟ وفي رواية: أفلا قالوا: نحن أهل الجنة، وفي رواية قيل له: إن هذا يزعم أنه مؤمن، قال: فاسألوه أفي الجنة هو أو في النار؟ فسألوه فقال: الله أعلم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت