الصفحة 14 من 148

يديه كرامة ومن لم يكن على الاستقامة كان ذلك فتنة كما يظهر على يدي الدجال من إحياء الميت وما يظهر من جنته وناره. فإن الله يضل من لا خلاق له بما يظهر على يدي هؤلاء. وأما من تمسك بالشرع الشريف: فإنه لو رأى من هؤلاء من يطير في الهواء؛ أو يمشي على الماء؛ فإنه يعلم أن ذلك فتنة للعباد. انتهى. فالفقيه أبو محمد أيضا إنما منع اللعن وأمر بتعزير اللاعن لأجل ما نصروه من [أصول الدين] وهو ما ذكرناه من موافقة القرآن والسنة والحديث والرد على من خالف القرآن والسنة والحديث. ولهذا كان الشيخ أبو إسحاق يقول: [إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة] وهذا ظاهر عليه وعلى أئمة أصحابه في كتبهم ومصنفاتهم قبل وقوع الفتنة القشيرية ببغداد ولهذا قال أبو القاسم بن عساكر في مناقبه: [ما زالت الحنابلة والأشاعرة في قديم الدهر متفقين غير مفترقين حتى حدثت فتنة] ابن القشيري ثم بعد حدوث الفتنة وقبلها لا تجد من يمدح الأشعري بمدحة؛ إلا إذا وافق السنة والحديث ولا يذمه من يذمه إلا بمخالفة السنة والحديث. وهذا إجماع من جميع هذه الطوائف على تعظيم السنة والحديث واتفاق شهاداتهم على أن الحق في ذلك. ولهذا تجد أعظمهم موافقة لأئمة السنة والحديث أعظم عند جميعهم ممن هو دونه. فالأشعري نفسه لما كان أقرب إلى قول الإمام أحمد ومن قبله من أئمة السنة كان عندهم أعظم من أتباعه والقاضي [أبو بكر بن الباقلاني] لما كان أقربهم إلى ذلك كان أعظم عندهم من غيره. وأما مثل الأستاذ أبي المعالي؛ وأبي حامد؛ ونحوهما ممن خالفوا أصوله في مواضع فلا تجدهم يعظمون إلا بما وافقوا فيه السنة والحديث وأكثر ذلك تقلدوه من مذهب الشافعي في الفقه الموافق للسنة والحديث ومما ذكروه في الأصول مما يوافق السنة والحديث وما ردوه مما يخالف السنة والحديث. وبهذا القدر ينتحلون السنة وينحلونها وإلا لم يصح ذلك. وكانت الرافضة والقرامطة - علماؤها وأمراؤها - قد استظهرت في أوائل الدولة السلجوقية حتى غلبت على الشام والعراق وأخرجت الخليفة القائم ببغداد إلى تكريت وحبسوه بها في فتنة البساسيري المشهورة فجاءت بعد ذلك السلجوقية حتى هزموهم وفتحوا الشام والعراق وقهروهم بخراسان وحجروهم بمصر. وكان في وقتهم من الوزراء مثل: [نظام الملك] ومن العلماء مثل: [أبي المعالي الجويني] فصاروا بما يقيمونه من السنة ويردونه من بدعة هؤلاء ونحوهم لهم من المكانة عند الأمة بحسب ذلك. وكذلك المتأخرون من أصحاب مالك الذين وافقوه: [كأبي الوليد الباجي] والقاضي [أبي بكر بن العربي] ونحوهما لا يعظمون إلا بموافقة السنة والحديث وأما الأكابر: مثل [ابن حبيب] و [ابن سحنون] ونحوهما؛ فلون آخر. وكذلك أبو محمد بن حزم فيما صنفه من الملل والنحل إنما يستحمد بموافقة السنة والحديث مثل ما ذكره في مسائل [القدر] و [الإرجاء] ونحو ذلك بخلاف ما انفرد به من قوله في التفضيل بين الصحابة. وكذلك ما ذكره في [باب الصفات] فإنه يستحمد فيه بموافقة أهل السنة والحديث لكونه يثبت في الأحاديث الصحيحة ويعظم السلف وأئمة الحديث ويقول إنه موافق للإمام أحمد في مسألة القرآن وغيرها ولا ريب أنه موافق له ولهم في بعض ذلك. لكن الأشعري ونحوه أعظم موافقة للإمام أحمد بن حنبل ومن قبله من الأئمة في القرآن والصفات وإن كان [أبو محمد بن حزم] في مسائل الإيمان والقدر أقوم من غيره وأعلم بالحديث وأكثر تعظيما له ولأهله من غيره لكن قد خالط من أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات ما صرفه عن موافقة أهل الحديث في معاني مذهبهم في ذلك فوافق هؤلاء في اللفظ وهؤلاء في المعنى. وبمثل هذا صار يذمه من يذمه من الفقهاء والمتكلمين وعلماء الحديث باتباعه لظاهر لا باطن له كما نفي المعاني في الأمر والنهي والاشتقاق وكما نفي خرق العادات ونحوه من عبادات القلوب. مضموما إلى ما في كلامه من الوقيعة في الأكابر والإسراف في نفي المعاني ودعوى متابعة الظواهر. وإن كان له من الإيمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت