الصفحة 39 من 79

والقبيلة والعشيرة، لقد فطمهم عن الدنيا وما فيها بهجرة واجبةٍ فرضها الله تعالى على أولئك النفر العظيم من صدر هذه الأمة الإسلامية، وكانوا هم النخبة بحق حيث سجَّل لنا ذلك القرآن الكريم: (لا يستوي منكم مَن أنفق مِن قَبلِ الفتحِ وقاتَل أولئك أعظمُ درجةً مِن الذين أنفقوا مِن بعدُ وقاتَلوا وكلًا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير) [1] . لقد كان من الممكن أن يأذن الله تعالى للمسلمين الأوائل أن يقاتلوا أهل الكفر والشرك ممن ناصبهم العداء بمكة وهم في مكة دون أن يرحلوا عنها، ولكن ربما كان القتال آنذاك دفاعًا عن أرضٍ أو مالٍ أو أهلٍ أو عشيرةٍ أو أي رخيصٍ آخر من متاع الدنيا، وعندها لم يكن القتال لِيَتَمحَّض نفيرًا يلبي به العبد المجاهد نداء ربه، ولكن الأمر كان خلاف ذلك.

لقد كان الاستنفار الأول لصدر هذه الأمة استنفار هجرة فريدة في التاريخ الإنساني؛ هجرة إلى الله، وهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد كان ذلك الاستنفار تقطيعًا لأوصال الدنيا وفطامًا عن رضاعها، فكانت تلك الهجرة العظيمة إلى الله التي ينخلع فيها العبد من كل ما يملك، منهم من خرج من ماله، ومنهم من خرج من أهله، ومنهم من خرجت من زوجها، ومنهم من خرج من جاهه، فكان نعم التوحيد توحيد القصد، وكان نعم التأله لله وحده. كما كانت تلك الهجرة العظيمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجريدٍ في المتابعة لا نظير له في تاريخ الرسل وأصحاب الرسل، وبهذه الهجرة الخالصة إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كان الجند المسلم على أهبة الاستعداد لتلبية نداء الجهاد والاستنفار لفتح مكة المبين تحقيقًا لوعد الله عز وجل: (إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا) [2] ، وأصبح هذا الفتح العظيم الذي صفت فيه القلوب لخالقها، وانقادت الجوارح لأمر نبيها معيار النفير والجهاد الصادق في سبيل الله تعالى، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا" [3] ، نعم، لقد أصبح فتح مكة وما سبقه من إعداد إيماني هو المعيار، وأصبحت النفرة في سبيل الله محاكاة للهجرة الأولى يطلِّق فيها العبد دنياه طلاقًا بائنًا، وأصبح الجهاد في سبيل الله محاكاةً لذلك الفتح العظيم، وبهذا تمضي الهجرة والفتح الأوليان لسلف هذه الأمة، وتبقى هجرة القلوب وشعلة الجهاد باقيةً للخَلَف المتابعين بإحسان إلى يوم القيامة، نسأل الله أن يجعلنا منهم ...

إن استنفار المسلم في سبيل الله اختبارٌ حقيقي لحياة هذا المسلم وانفعاله لأمر خالقه، وإن خلوده إلى الأرض حكاية عبدٍ ميت، وحكاية جسدٍ أثقلته شهوات الدنيا، وحكاية قلبٍ أنهكته شبهاتها، إنه

(1) سورة الحديد - آية 10

(2) سورة الفتح - آية 1

(3) صحيح البخاري - حديث 2825

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت