فإن قيل: العقود تغير ما كان مشروعا ؛ لأن ملك البضع أو المال إذا كان ثابتا على حال فعقد عقدا أزاله عن تلك الحال: فقد غير ما كان مشروعا ، بخلاف الأعيان التي لم تحرم ، فإنه لا يعتبر في إباحتها .
فيقال: لا فرق بينهما ، وذلك أن الأعيان إما أن تكون ملكا لشخص أو لا تكون ، فإن كانت ملكا فانتقالها بالبيع إلى غيره لا يغيرها ، وهو من باب العقود ، وإن لم تكن ملكا فملكها بالاستيلاء ونحوه هو فعل من الأفعال مغير لحكمها ، بمنزلة العقود .
وأيضا فإنها قبل الزكاة محرمة ، فالزكاة الواردة عليها بمنزلة العقد الوارد على المال ، فكما أن أفعالنا في الأعيان من الأخذ والزكاة الأصل فيه الحل ، وإن غير حكم العين ، فكذلك أفعالنا في الأملاك في العقود ونحوها الأصل فيها الحل وإن غيرت حكم الملك .
وسبب ذلك: أن الأحكام الثابتة بأفعالنا كالملك الثابت بالبيع وملك
(الجزء رقم: 1، الصفحة رقم: 177)
البضع الثابت بالنكاح ، نحن أحدثنا أسباب تلك الأحكام ، والشارع أثبت الحكم لثبوت سببه منا ، لم يثبته ابتداء ، كما أثبت إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات المبتدأة ، فإذا كنا نحن المثبتين لذلك الحكم ، ولم يحرم الشارع علينا رفعه لم يحرم علينا رفعه
فمن اشترى عينا فالشارع أحلها له وحرمها على غيره ؛ لإثباته سبب ذلك ، وهو الملك الثابت بالبيع
وما لم يحرم الشارع عليه رفع ذلك فله أن يرفع ما أثبته على أي وجه أحب ما لم يحرمه الشارع عليه ، كمن أعطى رجلا مالا فالأصل أن لا يحرم عليه التصرف فيه ، وإن كان مزيلا للملك الذي أثبته المعطي ما لم يمنع مانع ، وهذا نكتة المسألة التي يتبين بها مأخذها ، وهو أن الأحكام الجزئية- من حل هذا المال لزيد وحرمته على عمرو- لم يشرعها الشارع شرعا جزئيا ، وإنما شرعها شرعا كليا .