وأما إذا كانت الصورة لما له روح فهذا لا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: إما أن تكون من الصورة التي لها ظل، وذلك كأن يأتي الإنسان إلى حجرٍ مثلًا، أو خشبةٍ، أو صلصالٍ، أو زجاجٍ ونحوه، ثم يصيغه على هيئة شيء له روح، فهذا النوع محرم بالإجماع فيما أعلم، والله أعلم، وذلك كما يفعله المشركون بأصنامهم، فإن أصلها كانت صخورًا لا تشكيل فيها، ثم أخرجوها على هيئة الآدميين، وكما فعله عبَّاد العجل، فإنهم عمدوا إلى الذهب والفضة والجواهر، فصاغوها على هيئة عجل له خوار، ففتنوا به أمة الثيران.
فهذا النوع لا يتوقف أحد في تحريمه، بل هو أساس شرك العالم.
ففي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [1] قال:"هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عبدت". وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرًا كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دَبَّ إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يستسقون المطر، فعبدوهم"."
وفي الصحيح أيضًا من حديث عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال عليه الصلاة والسلام (( أولئك إذا مات فيهم الرجل أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور،
(1) سورة نوح [آية: 23] .