فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 75

لقد حان وقت الذهاب إلى الكرم، أنهض مسرعًا تصافح عيناي منظر القرية النائمة على سفح الجبل، أحتضن يد جدتي وننطلق عبر أزقة القرية، صمت محبب ونور الصباح يزحف بطيئًا كسير جدتي تمامًا. نعلو الجبل، تستقبلنا نسائم الفجر الندية عبقة برائحة الأرض. الطيور الصغيرة تغرد من حولنا ومن بعيد نلمح أشخاصًا يسيرون نحو الكروم. أقفز من مكان إلى مكان ومن صخرة إلى أخرى وأحس بأن العالم ملعب فسيح. شعور عميق بالرضا أقرأه في قسمات وجه جدتي الطيب. نسير بين الكروم، نسمع صوت صبية تغني عن الحب فتبتسم جدتي وتقول: إنها عاشقة، وحين أسألها تعشق من؟ تجيبني بصوت هادئ: تعشق الحياة، لقد نضجت. أعقب بخبث طفولي: وحان وقت قطافها، تضحك من قلبها وتقول: مهلًا يا أحمد ما زلت صغيرًا، فأضيف مازحًا: الصغار أيضًا يعشقون.

نصل الكرم، نتسلق سياجه القصير ثم ندخل. شجيرات التين محملة بالثمار والدوالي بالعناقيد الشهية. أنتقل من شجرة إلى شجرة ومن دالية إلى أخرى كعصفور طليق حديث الطيران. جدتي تملأ سلتها الصغيرة ببطء منتج. أسمعها تدمدم أغنية عن الشباب وأفراحه، فأقترب متسائلًا بصوت جريء فيه كثير من الدلال والحب: هل أنتِ عاشقة؟

تتهلل أساريرها بفرح حقيقي وترد:

-أنا عشقت وانتهيت، أحببت جدك حبًا ملك عليّ قلبي

-لكنه مات منذ زمن بعيد

-حبه ما زال حيًا.

-ألا ترغبين في أن تعودي صبية وتعشقي من جديد؟

-لا أفكر في المستحيل

-إذًا لماذا تعيشين؟

-لأني أحب الحياة، أحبها تتدفق في شجيرات التين، أعشقها تتدفق في شرايينك قوية جارفة، أقدسها كامنة في الأرض التي تعطي بلا انقطاع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت