4-ثم تأتي حاسة النظر، فتوحي الألوان والخطوط بمختلف الأحاسيس اللمسية والذوقية والشمية. على أن حاسة النظر إذا كانت لاتنبئنا على واقع التجربة ببعض ملامس الأشياء ومذاقاتها وروائحها إذا لم تدخل في نطاق تجاربنا السابقة عن طريق الذاكرة، فإن الألوان والظلال والأشكال لها في الحقيقة إيحاءات لمسية وذوقية وشمية، وإن لم تتطابق مع واقع هذه الأحاسيس نفسها. فيكفينا من لوحات عباقرة الرسامين أن توحي للعين بمختلف الملامس والمذاقات والروائح، إذا ما تمازجت ألوانها وظلالها وخطوطها على أيديهم، ولا روائح، ولا مذاقات ولا ملامس إلاّ أحاسيسهم يصبونها في لوحات. لتقف ريشة الفنان عند هذا السقف ، فلا تستطيع ألوانه وخطوطه وظلاله أن توحي بالأصوات، مالم تتدخل الذاكرة بصورة غير مباشرة عن طريق التداعي: (صورة عاصفة وضجيجها، جدول ماء وخريره) .
5-وأخيرًا تأتي حاسة السمع في القاعدة المقلوبة إلى أعلى، ملتقى لجميع الأحاسيس. بعض الأصوات يوحي بأحاسيس لمسية معينة. وبعضها الآخر يوحي بأحاسيس ذوقية أو سمعية أو بصرية، ولكن ما أن تتداخل الأصوات الموسيقية وتتماوج على يد فنان عبقري، حتى تستطيع الأذن المرهفة الحس المدربة، أن تستوحي من الأعزوفة مختلف الأحاسيس والمشاعر الإنسانية التي خطرت في ذهن مبدعها الفنان. ولو لم تكن الأصوات الموسيقية أوعية زمنية معبأة بمختلف الأحاسيس والمشاعر، لكانت شيئًا لا يطاق من آليّ الاهتزازات والانعكاسات، لاحياة فيها ولانماء ولا إحساس انظر الشكل (2) .