ولكن ماذا يبقى للشعراء الرمزيين أنفسهم من عبق الكلمة وسحرها وانفعالها ووجدانها وإيحائها إذا هم قرؤوها بنزاهة وحيادية، فلم (يموسقوا) جملها الصوتية: جهرًا وهمسًا، تفخيمًا وترقيقًا، إلى آخر اعزوفتهم على أوتار أصوات أحرفها؟ أفلا تتحول الكلمة الفرنسية وغيرها إلى مومياء، إلى جثة فارقتها الحياة إلى مصطلح، إلى رمز. فتصبح لغاتهم بذلك وسيلة لا غاية، كما قال (برغسون) ؟
ثم ماذا عن (دلالة) الكلمة العربية في دراساتي؟
إن كل ما اضفاه الرمزيون على كلماتهم:"حياة، حيوية، أناقة، رشاقة إيحاء وجدان، انفعال..) إنما هو بعض ما علق بالكلمة العربية عفو الفطرة في خصائص أحرفها تعبيرًا عن معانيها."
خصائص حسية وشعورية (وجدانية) ، قد جاءت الكلمة العربية إرثًا عن مراحل (غابية ثم زراعية ثم رعوية شعرية) . فتحول كل حرف من حروفها بفعل تعامله مع الأحاسيس والمشاعر الإنسانية طوال الاف الأعوام، إلى وعاء من الخصائص والمعاني. فما أن يعيها القارئ أو السامع، حتى تتشخص الأحداث والأشياء والحالات في مخيلته أو ذهنه أو وجدانه. وبذلك ينوب الحرف في العربية عن الكلمة وتنوب الكلمة عن الجملة، ولا رمز ولا اصطلاح.
فمما قاله (ابن جني) في هذا الصدد: إن العربي قد أبدع كلماته:"سوقًا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد". بمعنى أنه،"كان يضع الحرف الأول بما يضاهي بداية الحديث والحرف الوسط بما يضاهي وسطه، والأخير بما يضاهي نهايته". فكان العربي بذلك يصور الأحداث والأشياء والحالات بأصوات حروفه (الخصائص ج2-ص162-163) .
وهكذا إذا كان الرمزيون قد رفعوا من مقام لغاتهم الأجنبية من وسيلة إلى غاية بموسقة صيغ كلماتها وأصوات حروفها، فإن العربية هي بالضرورة غاية في حد ذاتها بلا موسقة مفتعلة.