وفي إحدى الروايات أن عمر بن الخطاب استقبل سيد بني كلب امرؤ القيس بن عدي بن أوس، وكان لا يزال على نصرانيته وبحضور الإمام علي بن أبي طالب وولديه الحسن والحسين، حيث أعلن إسلامه، فلم يتردد عمر كما تقول بنت الشاطىء في كتابها (سكينة بنت الحسين) أن يعقد له اللواء على من أسلم من قضاعة بالشام ودعا عمر برمح وقلّده إياه، وليس للرجل سابقة في الإسلام لكن له سابقة في الزعامة والإدارة والسمعة الطيبة.ومن المصادفات في ذلك اللقاء أن امرأ القيس بن عدي قد زوّج ثلاثًا من بناته لكلٍ من الإمام علي والإمام الحسن والإمام الحسين، وكانت بنته الرباب من نصيب الإمام الحُسين، وهي التي أنجبت له سُكينة.
أشرنا أن عمر كان يكلف في مثل هذه الحالة صحابةً من الرعيل الأول ليكونوا مراقبين، فاختار مثلًا عبد الله بن مسعود للقضاء وبيت المال في الكوفة وعثمان بن حنيف على سَقي الفرات، وعمار بن ياسر على الصلاة وأرزاق الجند. وكان عبد الله بن مسعود حرفيًا، يتصرف مع سياسة الإنفاق من بيت المال، وكأنه مدير مكتب للمحاسبة القانونية في وول ستريت، فلا يتساهل بدينارٍ، وقد ترتجف يداه وهو يأخذ من بيت المال ليوزعه خشية أن يذهب المال إلى غير مستحقيه. ولو كنا نصنع مصطلحنا، وننتج لغتنا ولا نستعير المنتوج اللغوي والاصطلاحي من صانعيه الأوربيين، لكان مصطلح المسعودية كافيًا للدلالة على ما يعنيه مصطلح المحاسبة القانونية.
وفي أكثر من مرة كلّف عمر بلال الحبشي للتحقيق مع العمال والولاة وشملت واحدة من تلك المهمات التحقيق مع خالد بن الوليد لمنحه الأشعث بن قيس عشرة آلاف دينار، فوضع عمر له سيناريو التحقيق بأن ينزع بلال قلنسوة خالد ويربط بها يديه إلى الخلف، بحضور أبي عبيدة بن الجراح، فاستسلم من لم يستسلم للأباطرة فحنى رأسه لتكون العمامة بين يدي بلال وأرسل يديه إلى الوراء ليشدهما بها إلى بعض. يقول المؤرخون الإسلاميون والفقهاء والدعاة من بعدهم إن مبادىء الإسلام هي التي أذعن لها خالد بن الوليد وهذا صحيح، فما يمنع من أن يكون إلى جانب هذه المبادىء سببٌ أخر أو عامل آخر يُدعى عمر بن الخطاب. لأني أشك أن يحدث هذا الذي حصل لخالد مع رجلٍ غير عمر لا قبله ولا بعده إلا في استثناءات لم يكن المتهم هو خالد ولا المحقق هو بلال. أقول.... هل كان خالد بن الوليد سيذعن لأمر بلال، لو كان أبو ذر بدلًا من عمر ودرجة إيمان أبو ذر وأسلوبه لا تقاسان بالمقاسات التقليدية؟.