فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 218

ونقول: إن هذا التشخيص لا يتسق مع ما عرف عن موسوعية العقاد وتنوع أدواته في التحليل العلمي، فيدور بعمر حول فرضية جعلها مفتاحًا لشخصه، وهي لا تشكل في مراتبها العليا سوى سلك دقيق غير مشع في الشخصية العمرية المنسوجة بما يصعب إحصاؤه من خيوط الحرير الناعمة والصوف الخشنة والكتانية المتينة.

شخصية مركبة في نسيج مركب ومنشور بألوان البرّية والعقيدة والحياة والمزاج والضرورة والطموح والاستجابة والتحدي والتطبيقات المفتوحة للنصوص وإبداع ما اعتبر في ما بعد نصوصًا سارت عليها الأمم والشعوب الإسلامية، مما لا يصح اختزاله بوضع الإبهام والخنصر على رأس خيط منها ليكون ذلك مفتاحًا لشخصية عمر.

والعقاد شاعر كبير وناقد لا غيره يفهم شخصية الشاعر. لكنه ابن مدينة القاهرة لم يخرج إلى البرية ليرى عمر هناك يرعى إبلًا للخطاب، وينشأ على يومياتها وخلائقها. وأعجب منه أنه لم يكتشف في عمر شخصية الشاعر، ليس بمعناها السائب، بل بإحساسه وقدرته على الالتقاط ورهافته. شاعر له عشق الحرية والعدل والناس. فأي جندي هذا الذي يشبه عمر وإن كان المقصود من جندية العقاد الفروسية بمعناها الواسع؟.

يبدو تحليل العقاد من البساطة في هذه النقطة، وليس في غيرها، وكأنه يدخل في صالة النادي العسكري ويتطلع إلى لائحة التعليمات المعلقة عن أخلاق الجندي وشروطه، فيمليها فقرة بعد أخرى بتسلسل يبدأ من الشجاعة والشهامة واللياقة البدنية وطريقة المشية العسكرية شديدة الوطأة على الأرض، وتنتهي بالطاعة وحسن أدائه للواجب.

إن واقع عمر والمرويات عنه وخطوط شخصيته لا تؤشر على كثير من شروط النادي العسكري. فهو يكره الوطأ الشديد على الأرض خشية أن يكون المشي مرحًا وقد تعرض لعمرو بن العاص لما رآه يمشي مشية الضباط فخفقه بالدرة، لكنه يمشي سريعًا لأنه أروح القدمين، وهذه حالة طبية معروفة لسكان البادية. من جانب آخر، لسنا نعرف أن العسكريين في العالم إلاّ أقلية تحتفظ بما تصفهم لوائح الثكنات العسكرية، نخوة ونجدة وشهامة.

إن مزاجية عمر القائمة على الحيوية والانفتاح، تتعارض وجمودية العسكري وبواعث الإبداع في المرويات عنه، وتتعارض مع إلزامية ترسم حياة الجندي وعقله، وتضعه على سكة إن مال عنها سقط على الأرض، وليس كالجندية حقل تتكرر فيه المشاهد الرتيبة والكلمات والحركات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت