الصفحة 30 من 773

توقيع سوريا لاتفاق التعاون العسكري مع إيران، ودنوها المنتظم من المدار السياسي والاقتصادي الإيراني، ووثوقها بالآصرة السياسية الفارسية الفاعلة على المسرح السياسي الإقليمي والعالمي، للعب دور الجامعة في المنطقة، على حساب الآصرة العربية المنحلة، يبرز المعالم الأولية للاصطفاف السياسي الجديد في المنطقة.

الحضور الإيراني في سوريا لن يتوقف عند الجانب العسكري، فستتبعه"إطلاعات"وباقي مؤسسات المجتمع المدني الإيراني، التي ستتغلغل في زوايا المجتمع السوري. وما فعلته سوريا، غيرها أولى به، من الدول الأصغر، والكيانات الانفصالية الطازجة و"الفدراليات"، التي ازدهرت بعد سقوط العراق.

هل هذا اكتمال لدورة التاريخ، وعودة للمنطقة وشعوبها إلى تبعية الممالك العربية الغساسنة والمناذرة لنفوذ الامبراطورية الفارسية؟ من أحد الوجوه نعم. ولكن ثمة فارق، وهو أن وثنية الدولة الفارسية يومئذ، قصرت الهيمنة على الجوانب السياسية والمالية في حياة رعاياه العرب، وأبقتها على مسافة من حريات العبادة والطبائع الاجتماعية عندهم (أيًا كانت تلك الطبائع والعبادات) . لكن طائفية الدولة الإيرانية المعاصرة، وسطوها على دور الدولة الإسلامية الشاغر، وصناعتها من مذهب الأقلية بوصلة للأغلبية، وارتكازها على مفاهيم القومية الفارسية، ومعاداتها لكل ما هو ليس فارسيًا، سيعني مخاضًا ثقافيًا عميقًا، وإحكامًا للقبضة على حياة المجتمع العربي، وهو ما لا تبدو المجتمعات العربية على استعداد لمواجهته.

في المقابل نجد محور (الرياض - الكويت - عمان - القاهرة ) المنبثق من أطلال النظام السياسي العربي، وكانت عمان قد حذرت من نشوء هلال شيعي في المنطقة، لكنه جهد قليل متأخر، وربما مفاجئ للشارع العربي، نظرًا لعدم انسجامه مع ثقافة قومية أو قطرية فرضتها الدولة العربية الحديثة على هذا الشارع ورسختها على مدى تسعة عقود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت