الصفحة 17 من 416

النصوص ونقدها، فلابدّ لناقد الأدب واللغة والبلاغة من أن ينظر إلى النص الذي شرعه للنقد بالمنظور النحوي، ليرى مطابقة فقراته بجملها ومفرداتها لقوانين النحو وقواعده؛ وهذه النظرة تُعرف عند النُقّاد على مختلف اختصاصاتهم اللغوية بالنظرة الأولى (1) ، ولابدّ للنظرة الأولى من حسّ نحوي، وقد قيل: (( النحو في الأدب، كالملح في الطعام، فكما لايطيب الطعام إلا بالملح، لايصلح الأدب إلا بالنحو ) ) (2) . وبوصف أدق؛ قال ياقوت الحموي (ت 626 هـ) : (( وحسُبك شرف هذا العلم، أن كل علم على الإطلاق مفتقر إلى معرفته، محتاج إلى استعماله في مُحاورته. وصاحبُه فغير مفتقر إلى غيره، وغير محتاج إلى الاعتضاد والاعتماد على سواه ) ) (3) بل ويمكننا تحديد العلاقة القائمة بين هذه الأنواع النقدية المعنية بعلوم اللغة وبين القاعدة النحوية إذا قلنا إن القاعدة النحوية فضلًا عن كونها معيارًا متّبعًا في هذه الأنواع النقدية كلها؛ فهي من جانب آخر موضوع من موضوعات النقد فيها (4) ؛ ذلك أن النصوص اللغوية التي تخضع للنقد اللغوي أو الأدبي أوالبياني إنما تُعالج - فيما تُعالج به - على وفق قياس القاعدة النحوية إذا فارقت تلك النصوص قياسها وخرجت عن قوانينها، والنقد الذي يعالج موضوعات معينة ويستند إلى معايير محددة يكون نوعًا نقديًّا بلا شك، وهذا ما لا يسع أحد جهله، ونحن وإذ نتكلّف إثبات وجود نوع نقدي (قديم جديد) فنكون كمن يستدلّ على ضوء الشمس بدليل؛ لا بدّ أن نميّز بين مفهومين عُرف بهما هذا النوع النقدي بين الدارسين قدماء ومحدثين، أما المفهوم الأول؛ فهو الذي نلتمسه عند جميع النُقّاد بغضّ النظر عن تخصصهم اللغوي، ونوع النقد الذي يمارسوه في ضوء هذا التخصص، والنقد النحوي في ضوء هذا المفهوم لا يعدو أن يكون وسيلة من وسائل النقد المتبعة في الأنواع النقدية الأخرى؛ وتكون القاعدة النحوية مما يُعاير بها في هذا النوع النقدي أو ذاك، ومع أن أبحاث النقد النحوي في ضوء هذا المفهوم وهذا الاستعمال امتدّت عبر الأنواع النقدية الأخرى كلها، إلا أن معالمه كادت تضيع وسط هذا النزاع بقصد أو بغيره، وقد حلى لبعضهم أن يدّعي (( أن العرب لم يعرفوا غير ضربين من النقد، الأول هو النقد اللغوي، والثاني هو النقد البياني الذي يقوم على نقد الصور البلاغية المختلفة والكشف عن طبيعتها والتفنن في شرحها ) ) (5) .

فالنقد النحوي في ضوء هذا المفهوم وإن كان في حقيقته نقدًا نحويًّا إلا أن العلماء اصطلحوا على أن يسمّوا معالجة الأخطاء النحوية في النصوص الأدبية (بالنقد الأدبي) من باب العموم، قسّ على

ـــــــــــــــ

ينظر: النقد اللغوي عند العرب: 359 0

(2) معجم الأدباء: 1/ 89 0

(3) المصدر نفسه: 1/ 54.

(4) ينظر: النقد اللغوي عند العرب: 171 ـ191.

(5) نقلًا عن المصدر نفسه:24، وانظر:34، وقد كنى الدكتور نعمة رحيم العزاوي عن هذا الباحث في الموضعين كليهما بقوله: (( لقد ذهب بعضهم الى ) (( جعله بعض الباحثين ) ).

ذلك الأخطاء النحوية التي يقف عليها البلاغيون في لغة الأدباء والمنشئين؛ فإن نقدها يسمى بـ (النقد البلاغي أو البياني) ، كما يُسمّي نُقاد اللغة أخطاء العامّة النحوية باسم (لحن العامة) أو (النقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت