بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، رواه مسلم في صحيحه. وقال صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» ، قال الترمذي: حديث صحيح.
وفي الحديث الآخر الصحيح الذي في السنن: يقول الله تعالى: (أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسمًا من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته».
وقال: ومن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله، ومثل هذا كثير.
وأولياء الله تعالى على نوعين: مقربون وأصحاب يمين كما تقدم. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عمل القسمين في حديث الأولياء، فقال: «يقول الله تعالى: من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» .
فالأبرار أصحاب اليمين هم المتقربون إليه بالفرائض، يفعلون ما أوجب الله عليهم ويتركون ما حرم الله عليهم ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات، ولا الكف عن فضول المباحات.
وأما السابقون المقربون فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض، ففعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، فلما تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم أحبهم الرب حبًا تامًا، كما قال تعالى: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» ، يعني: الحب المطلق، كقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7) } [الفاتحة: 6 - 7] ، أي: أنعم عليهم الإنعام المطلق التام المذكور في قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] ، فهؤلاء المقربون صارت المباحات في حقهم طاعات يتقربون بها إلى الله - عز وجل- فكانت أعمالهم - كلها- عبادات لله، فشربوا صرفًا كما عملوا له صرفًا، والمقتصدون كان في أعمالهم ما