وشاهد من ذكر اسمه (رَبِّالْعَالَمِينَ) [ الفاتحة: 2 ] قيومًاقام بنفسه ، وقام به كلّ شيء ، فهوقائم على كلِّ نفس بخيرها وشرها ؛ قداستوى على عرشه ، وتفرد بتدبير ملكه ،فالتدبير كلّه بيديه ، ومصير الأموركلّها إليه ، فمراسيم التدبيراتنازلة من عنده على أيدي ملائكتهبالعَطاءِ والمَنْعِ ، والخَفْضِوالرَّفْعِ ، والإحياءِ والإماتَةِ، والتَّوبةِ والعَزْلِ ، والقَبْضِوالبسْطِ ، وكَشْفِ الكروب ،وإغاثَةِ الملْهُوفين ، وإجابَةِالمضْطَرِّين (يَسْأَلُهُ مَنْ فِيالسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّيَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [ الرحمن: 29 ] لامانِعَ لما أعطى ، ولا مُعْطِيَ لمامَنَعَ ، ولا مُعَقِّبَ لحكْمِهِ ،ولا رادّلأمرِهِ ، ولا مبدِّلَلكلماتِهِ ، تعْرُجُ الملائكةُوالروحُ إلَيْهِ ، وتعرضُ الأعمالُأوّلَ النهار وآخره عليه ، فيقدِّرُالمقادير ، ويوقِّت المواقيت ، ثميسوقُ المقادِير إلى مَواقيِتِها ،قائمًا بتدبِير ذلك كلِّه وحفْظِهِومصالِحِهِ .
ثم يشهدُ عنْدَ ذِكْرِ اسم (الرَّحْمَنِ ) [ الفاتحة: 3 ] جلّجلاله رَبًّا محسِنًا إلى خَلْقِهِبأنواعِ الإحسانِ ، متحبّبًا إليهمْبصنوفِ النِّعَم ، وسِعَ كلَّ شيءٍرَحْمَةً وعلمًا ، وأوْسَعَ كلَّمخْلوقٍ نِعمةً وفَضْلًا ، فوسعتْرحمتُهُ كلَّ شَيْءٍ ، ووسعَتْنعمتُهُ كلَّ حيٍّ .
فتأمَّل ما في أمْرِهِ ونهْيِهِووصاياه ومواعِظه من الرحمةالبالِغَة ، والنِّعمة السَّابغة ،وما في حشوِها من الرَّحمةوالنِّعمَةِ ؛ فالرحمةُ هيالسَّبَبُ المتَّصِلُ منه بعبادِهِ، كما أنَّ العبودِيَّة هي السببالمتَّصِل منهم به ، فمنْهُم إليهالعبودية ، ومنْهُ إليهم الرَّحمة .ومن أخصِّ مشاهِدِ هذا الاسم ، شهودُالمصلِّي نصيبَهُ من الرحمة الذيأقامَه بها بَيْنَ يدي ربِّهوأهَّلَهُ لعبودِيّتِهِ ومناجاتِهِ، وأعطاه ومنعَ غَيْرَهُ ، وأقبلَبقلْبِهِ وأعْرَضَ بقَلْبِ غيرهِ ،وذلك من رَحْمَتِهِ به .