المطلب الثاني: نشأته وطلبه للعلم ورحلاته:
مما لاشك فيه أن البيئة التي يعيش فيها الإنسان لها الأثر الكبير على تكوينه العلمي، والإمام أبو بكر الأنصاري نشأ في بغداد، بكل ما كانت تعيشه بغداد في ذلك الوقت من حركة علمية مزدهرة، ونشأ في أسرة علمية تهتم بالعلم، فأبوه عالم محدث، وفقيه حنبلي محب للعلماء ومكرم لهم"وكان من أكابر أهل بغداد" [1] . ولذلك أتم أبو بكر الأنصاري حفظ القرآن الكريم وهو في السابعة من عمره قال ابن الجوزي:"وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين" [2] . فلا يستغرب مع وجد هذه البيئة الصالحة، والأب العالم المحدث، أن يفتح أبو بكر الأنصاري عينيه وهو في حلقات العلم ولذلك حضر مجلس سماع أبي إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي (ت445هـ) بعد أن بلغ الثالثة من عمره فقط.
وسمع سنة (445هـ) حضورًا من علي بن إبراهيم الباقلاني (ت448هـ) كما صرح هو بذلك في جزء الأحاديث الصحاح [3] ،وفي الرابعة من عمره وذلك سنة (446هـ) حضر [4] مجالس سماع شيوخ آخرين منهم الحسن بن علي الجوهري (ت454هـ) وعلي بن عمر البرمكي (ت450هـ) وفي الخامسة من عمره سمع من أبي القاسم عمر بن الحسن الخفاف (ت450هـ) وهكذا استمرت عناية الأب العالم المحدث بابنه، ولذلك كان أكثر سنوات سماعه في حياة أبيه المتوفى سنة (461هـ) وعمره تسع عشرة سنة، فما مات هذا الأب إلا وقد أدى حق ابنه على أتم وجه، وتعلم الابن كيف يحافظ على وقته ولا يمضي شيئًا منه إلا فيما ينفعه من علم أو عبادة ولذلك يروي عنه تلميذه ابن الجوزي"ما أعلم أني ضيعت من عمري ساعة في لهو أو لعب" [5] .
(1) ... ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (1/192) . ...
(2) ... المنتظم (18/14) .
(3) ... (37/ب) . ...
(4) ... اصطلح المحدثون أن يكتبوا لمن سمع من الصبيان فوق خمس سنوات (سمع) ولمن سمع وهو دون ذلك: (حضر) .
... انظر: علوم الحديث لابن الصلاح (130) . ...
(5) ... المنتظم (18/14) .