فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 979

ويزيد عبد الله دراز في الهامش في تفصيل هذا المستوى من التحصيل المفضي إلى درجة الاجتهاد-إذا استمر صاحبه في الطلب حيث يترقى هذا الطالب في

إدراك مقاصد الشريعة وأصولها، حتى يصير تعلقه بتلك الكليات وكأن محفوظاته من النصوص الجزئية والقواعد الشرعية، غابت عن حافظته، وإن كانت في الواقع لا تزال عنده، إلا أن همته منصرفة إلى التعويل على كليات المقاصد وأصول الشريعة، حتى إنه لا يبالي في استنباطه الحكم: أنص على دليله الخاص أم لا؟ بل لو نص على دليل خلافه لكان حكمه عنده مقتضى الكليات ولو خالفت النص لأنه لم يصل بعد إلى ملاحظة الخصوصيات مع الكليات.

وقد تردد الشاطبي فيمن هذا حاله، باعتبار أن الكليات الشرعية لم تنتظم له الا من التفقه في الجزئيات والخصوصيات، فثبت من جهة أن صاحب هذه المرتبة متمكن جدا من الاستنباط والاجتهاد، غير أن هناك من منع بحجة (أن اعتبار الكلي مع اطراح الجزئي خطأ كما في العكس) كما أن لكل باب ما يليق به فمثلا: النكاح لا يسوغ أن يجري مجرى المعاوضات من كل وجه. كما أنه لا يسوغ أن يجرى مجرى الهبات والنحل من كل وجه .. وكذلك الشأن في استحضار خصوصيات المكلفين. ولهذا فالراجح أن من كان هذا حاله أن لا (يترقى إلى درجة الاجتهاد حتى يكمل ما يحتاج إلى تكميله) .

ثالثها: أن يخوض فيما خاض فيه المجتهدون من أهل الرأي والحديث، ويتحقق بالمعاني الشرعية منزلة على الخصوصيات الفرعية. فهو يتبحر في الاستبصار بطرف دون أن يصده عن التبحر في الاستبصار بالطرف الآخر، فلا هو يجري على عموم واحد منهما دون أن يعرضه على الآخر، ثم يلتفت مع ذلك إلى تنزل ما تلخص له على ما يليق في أفعال المكلفين (فلا يكونون عنده سواء بل كل وما يليق به) مع استحضار المقصود الشرعي في كل الجزئيات.

وهذا الذي عنده إلمام بالنصوص والمقاصد وأحوال المكلفين لا خلاف في صحة الاجتهاد منه ويسمى (صاحب هذه المرتبة الرباني والحكيم والراسخ في العلم والعالم والفقيه والعاقل لأنه يربي بصغار العلم قبل كباره ويوفي كل أحد حقه حسب ما يليق به وقد تحقق بالعلم وصار له كالوصف المجبول عليه، وفهم عن الله مراده) [1] فهو يجيب السائل على ما يليق به في حالته على الخصوص، إن كان له في المسألة حكم خاص. كما أنه ينظر في المآلات قبل الجواب عن السؤالات.

ولا شك أننا مع الشاطبي هنا نعيش مع ملكة الاجتهاد وكيف تكتمل وتتبلور من حفظ النصوص إلى محاولة فهمها إلى استحضار المقاصد الشرعية إلى معرفة أحوال المكلفين وفقه تنزيل الأحكام الشرعية وهي مراتب يخدم بعضها بعضا ويفيد بعضها بعضا.

وهذا ابن خلدون وهو يستعرض وجه الصواب في تعليم العلوم وطريق إفادته يبين أن الملكة لا تحصل دفعة واحدة وانما تمر قبل اكتمالها بثلاث مراحل:

الأولى: ملكة جزئية وضعيفة غايتها فهم الفن وتحصيل مسائله: وهي تحصل

(1) الشاطبي"الموافقات"ج4/ص: من163إلى 169

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت