فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 979

3_3_ إذا كانت دعوى إغلاق الاجتهاد غير حقيقية، ولا يستطيع أصحابها تحديد السلطة التي أغلقت الباب ولا الزمان ولا المكان اللذين تم فيهما ذلك، فمما لا شك فيه أن توقفه أو بالأحرى انحساره قد وقع في الأمة في العصور المتأخرة، وأن أصوات الاجتهاد بقيت محدودة في عددها وتأثيرها، غريبة في وسطها شاذة عن القاعدة العامة التي أصبح عليها الناس، ولعله من المفيد الوقوف على بعض أسباب هذا الانحسار لتكون عونا لتلمس العلاج.

فالذي يبدو من خلال تتبع بعض الأسباب أن الأزمة أعمق من أن تكون مسألة باب الاجتهاد تغلقه أو تفتحه جهة ما. إنما وقع التراجع بسبب تراجع الحياة أيضا، إذ الاجتهاد يحيى بحياة المجتمع ويموت بموته، فالفقه آل إلى الجمود بأثر انحطاط واقع الحياة.

فهي إذن أزمة حضارية شاملة، يصعب معها تحميل المسؤولية لأحد العوامل بعينها ذلك أن (الاجتهاد جهد معرفي يمارسه المجتمع بمقدار ما يكون قادرا على بذل الجهد في المجالات الأخرى من النشاط الإنساني من السياسة إلى الاقتصاد إلى الجهاد العسكري( ... ) وعندما يفقد المجتمع حيويته في هذه المجالات فإنه يكون من الطبيعي أن يفقد حيويته في المجال الفكري) [1]

ولهذا ارتبط الاجتهاد في أغلب مراحله بمرحلة الاقتحام والإقدام حيث كان للأمة مشروع كوني، تريد تبليغه للعالمين. فتحركت الفتوحات العسكرية والعلمية، وقوي العمل والإنتاج، في شتى نواحي الحياة. فالاجتهاد لا يعمل في فراغ إنما يستجيب لهموم ومشكلات وأوضاع.

توقف الاجتهاد أو كاد لجنوح (الحياة الدينية عامة نحو الانحطاط وفتور الدوافع التي تولد الفقه والعمل في واقع المسلمين) [2] وشيوع جوانب نفسية واجتماعية وسياسية وثقافية علمية .. غير مشجعة، إذ سادت حالة نفسية في المجتمع يغلب عليها الخوف، الخوف من الأخطار الخارجية والخوف من الفتنة والخوف من بأس السلطان والخوف من الحرية والرأي.

وصار الهم هو الحفاظ على النفس والحفاظ على ما هو قائم. وتمكن الحذر من اغتيال حرية الاجتهاد، وأصبح الناس وكأن في آذانهم هاتف يقول: (احفظوا ما بقي من دينكم وتورعوا من الشرور المخوفة، حاذروا من كل جديد فإنه لن يأتي إلا ببدعة، فالسلامة وراءكم والخطر أمامكم) [3] وعليكم بالأسلم والأحوط. وصعب التجديد والإقدام والاقتحام حتى من القادرين عليه، لأن (من حاول تجاوز الحوض المعرفي حرم من دفء المجموع ورمي بالابتداع فيحس بالاغتراب لكونه جسما غريبا في هذا النسيج العام) [4] .

(1) الفضل شلق"الاجتهاد وأزمة الحضارة العربية"ص 61. مجلة الاجتهاد العدد8. 1990.

(2) حسن الترابي:"تجديد أصول الفقه"ص12.

(3) حسن الترابي:"تجديد أصول الفقه"ص39.

(4) عبد الوهاب رواح"بنية النظام المعرفي ص 46. مجلة الاجتهاد عدد10 _11 سنة 1990."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت