والطب والفلسفة. وإن كانت المحنة التي تعرض لها سببا في غالب الظن في بروز جانب وضمور آخر.
فبالإضافة إلى تأليفه في العربية، فإن تلخيصه لفن الشعر (لأرسطو يشهد بعلو كعبه في الأدب العربي ولا سيما في شعر ما قبل الإسلام. وتجد كل صفحة من هذا الكتاب استشهادا بعنترة وامرىء القيس والأعشى وأبي تمام والنابغة والمتنبي وكتاب الأغاني ... ) [1] كما أن هناك من يرى أن نزعته إلى الفلسفة بدت أول ما بدت في الفقه، ذلك بأن (الذي يعتد برأيه وتفكيره ويحاول أن يدرس ويبحث بعقله لا أن يروي ويصدق مايرويه كله فحسب، ويجتهد في تعرف علل الأحكام الشرعية على اختلافها باختلاف أئمة الفقهاء. ويوازن بين هذه الآراء بعقله ونظره. ذلك الذي يكون هذا حاله في الفقه، لا يكون بعيدا عن الفلسفة. بل قد يكون قد دخل فيها من بعض نواحيها ما دامت الفلسفة هي البحث عن العلل ومحاولة فهم العالم وقوانينه) [2] ولهذا وصفه ابن أبي أصيبعة بأنه (مشهور بالفضل معتن بتحصيل العلوم، أوحد في علم الفقه والخلاف) [3] .
ووصفه ابن الآبار بأنه (كان يفزع إلى فتواه في الطب كما يفزغ إلى فتواه في الفقه مع الحظ الوافر من الإعراب والآداب، حكى عنه أبو القاسم بن الطيلسان أنه كان يحفظ شعري حبيب والمتنبي ويكثر التمثل بهما في مجلسه ويورد ذلك أحسن إيراد وله تصانيف جليلة الفائدة منها كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه أعطى فيه أسباب الخلاف وعلل ووجه فأفاد وأمتع به ولا يعلم في فنه أنفع منه ولا أحسن مساقا) [4] فقد كان فقيها، عالما حافظا للفقه، بصيرا بأقوال الفقهاء بارعا في علم الفرائض والأصول، وسنحاول إبراز هذا الجانب بما فيه الكفاية فيما يلي من مباحث بحول الله.
كما كان متميزا في علم الطب (وهو جيد التصنيف حسن المعاني وله في الطب كتاب الكليات وقد أجاد في تأليفه وكان بينه وبين أبي مروان بن زهر مودة. ولما ألف كتابه هذا في الأمور الكلية قصد من ابن زهر أن يؤلف كتابا في الأمور الجزئية لتكون جملة كتابيهما ككتاب كامل في صناعة الطب( ... ) ومن كلام أبي الوليد ابن رشد في هذا المجال قوله: من اشتغل بعلم التشريح ازداد إيمانا بالله. [5] ولهذا لا غرابة بأن يصبح الطبيب الخاص للأمير أبي يعقوب يوسف الموحدي رغم أنه لم يستكمل الجانب التطبيقي من صناعة الطب ولم تكن له كبير ممارسة فهو يقول في كتابه الكليات: (وهذا الجزء من الطب هو الذي أرى بأنه
(1) إرنست رينان (ابن رشد والرشدية) ص63 ترجمة عادل زعيتر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة - 1957
(2) محمد يوسف موسى (ابن رشد الفيلسوف) ص18 دار إحياء الكتب العربية - القاهرة- سلسلة أعلام الإسلام
(3) ابن أبي أصيبعة (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) ج1ص530
(4) ابن الآبار (التكملة لكتاب الصلة) ج2ص74
(5) عيون الأنباء: ص 530 - 531