الضابط اللغوي في التفسير العلمي:
يبدو من تفسير قسم من المفسرين أنهم قدروا أو أولوا قوله تعالى (الشمس) و (القمر) في هذه الآية بضوئها أو سلطانهما أو مسيرهما ... إلى غير ذلك وأشار القسمُ الآخر منهم وأكثر من فسر هذه الآية تفسيرًا علميًا إلى ذات الشمس والقمر وليس إلى صفةٍ من صفاتهما وهذا يعني أن تأويل القدامى في كثير من الأحيان لا يتعارض مع التفسير العلمي الحديث وإن كان عدم التأويل أولى من التأويل والأخذ بظاهرة الآية الذي يوافق التفسير العلمي.
ومن دقة التعبير القرآني عن عدم تمكن أدراك الشمس القمر وكونها مسخرة لا يستهل لها إلا ما أريد بها أنه صاغ هذه الآية بصيغة الإخبار عن المسند إليه بالمسند الفعلي لإفادة تقويّ حكم النفي فذلك أبلغ في الانتفاء مما لو قيل: لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر. [1]
وافتتاح الجملة بحرف النفي قبل ذكر الفعل المنفي ليكون النفي متقررًا في ذهن السامع أقوى مما لو قيل: الشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر، فكان في قوله (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) خصوصيتان. [2]
وقد ذكر الآلوسي [3] أن تقديم الشمس على الفعل يفيد التخصيص فالشمس لا تقدر على إدراك القمر بل غيرهما يقدر وهو الله تعالى وهذا مشعر بكونها مسخرة لا يستهل إلا ما أريد بها. كما أشار الآلوسي أيضًاإلى أنه قوله (ينبغي) اختيار غير واحد أنه بمعنى التسخير كما في قوله النار ينبغي أن تحرق الثوب [4] وذكر ابن عاشور أن الفعل هنا جاء بصيغة المطاوعة فينبغي هو مطاوع بغى وهذا يعني نفي انبغاء ذلك، أي نفي تأتيه، فانبغى يفيد أن الشيء طُلب فحصل للذي طلبه، يقال: بغاه فانبغي له، فإثبات الانبغاء يفيد التمكن من الشيء فلا يقتضي وجوبًا، ونفي الانبغاء يفيد نفي إمكانه ولذلك يكنى به عن الشيء المحظور. [5]
أما قوله تعالى (تُدِرك) فمن فسر الآية تفسيرًا علميًا فقد أخذه على معنى اللحوق الحقيقي للقمر فعدم الإدراك هو عدم الاصطدام بينهما، خلافًا لما يبدو من قرب منازلهما.
أما قوله تعالى: (وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَار) فسوف نتناول الليل في مبحث خاص.
وفي قوله تعالى: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)
(1) ينظر التحرير والتنوير 23/ 24.
(2) المصدر نفسه 23/ 24.
(3) روح المعاني 23/ 21.
(4) ينظر المصر نفسه 23/ 20.
(5) ينظر التحرير والتنوير 23/ 24.