الصفحة 109 من 372

الآية تفسيرًا علميًا لجريان الشمس الذاتي كما بينا عند ذكر حركات الشمس الأربع فمن فسر جريان الشمس على جريانها الظاهري حمل اللفظ (تجري) على المجاز لأنه كما هو معلوم أن الأرض هي التي تدور حول الشمس أما من فسر جريان الشمس على ما تقوم به الشمس من هذه الحركات سواء خصص إحداها أو لم يخصص فقد حمل اللفظ على حقيقته وهو جري الشمس جريًا ذاتيًا هي التي تقوم بذلك كما يدل اللفظ حرفيًا واختلف أهل اللغة والتفسير في جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز والذي يبدو جواز ذلك فقد جوز الزركشي [1] في البرهان وابن عاشور [2] الجمع بينهما وذكر الأخير أن المعاني التي تتحملها جمل القرآن تعد مرادةً بها ما لم يمنع من ذلك مانع صريح أو غالب من دلالة شرعية أو لغوية أو توقيفية وهذا من بلاغة القرآن وإعجازه فالقرآن من جانب إعجازه يكون أكثر معاني من المعاني المعتادة التي يودعها البلغاء في كلامهم، فمعتاد البلغاء إيداع المتكلم معنى يدعوه إليه غرض كلامه وترك غيره و القرآن ينبغي أن يودع من المعاني كل ما يحتاج السامعون إلى علمه وكل ما له حظ في البلاغة مهما كانت درجته في البلاغة. [3] وفي قوله (تجري) أيضًا يخاطب القرآن الإنسان مهما كان مستواه العلمي من البسيط إلى العالم بحيث يكون بمقدوره الفهم والاعتبار. [4] وليس القرآن كتابًا كونيًا للعلماء فحسب. فـ (جري) الشمس حقيقة في الفضاء ... يتفق خبره إذا ذكر في القرآن مع ما علم سبحانه أن ستبدو به الشمس لعباده لما قدر للأرض من حركة يومية حول محورها، وحركة سنوية حول الشمس ليكون التطابق بين (الخبر) و (الجري) الظاهري فيه عبرة وهدى للناس أثناء الحقبة المتطاولة التي علم الله سبحانه أن سوف تمر قبل أن يستطيع أولوا العلم الكشف عن جري الشمس الحقيقي، حتى إذا كشفوه، وحققوا صدق الخبر الكوني القرآني حرفيًا ... كان ذلك معجزة علمية كبرى في القرآن. [5] إضافة إلى إعجازه البلاغي في الأسلوب لمراعاته لمقتضى الحال في كل مرحلة من المراحل التي مر بها. وقد ذكر شاكر عبد الجبار أنه عبر بقوله (تجري) لكي يحيط بكل حركات الشمس الأربع ومنها الدوران حول المحور فهو ليس جريًا ولكن كعادة العرب في تغليب أكبر علامات الأشياء عند إطلاق التسمية والنعت. [6]

ومنهم [7] من فسر (الجري) بالمر السريع على قول الراغب وذكر أن الجري يدل على السرعة في السير والحركة فهو أدل على السرعة من المشي أو السير وبهذا فهو يدل على الحركات الحقيقية السريعة وليس على الحركة الظاهرية للشمس. ولكن بعد مراجعتي للمعجمات لم أجد من يحدد (الجري) بالسرعة

(1) ينظر مثلًا البرهان 3/ 338 و 4/ 144.

(2) ينظر التحرير والتنوير 1/ 95.

(3) ينظر التحرير والتنوير 1/ 93 - 99.

(4) ملامح كونية 70.

(5) التفسير الواضح 23/ 5، وينظر الإسلام في عصر العلم 232.

(6) القرآن إعجاز يتعاظم 125.

(7) عبد العليم حضر في كتابه ظواهر جغرافية 138 ومنصور حسب النبي في كتابه الكون والإعجاز العلمي للقرآن 115 - 116 شاكر عبد الجبار في كتابه القرآن يفك لغز الأرض 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت