الصفحة 39 من 109

وفي هذا تعريضٌ بمجالس السوء ومنتديات الباطل التي كانوا يعقدونها ويحرصون على ارتيادها والظهور فيها، قد أُبْدِلوا بالشراب الحميمَ المغليَّ وبالصحبةِ والرفاقِ هذا المجتمعَ الجَهَنَّمِي! ألم يستنكفوا من قبل من صحبة أهل الإيمان ويتعللوا بفقرهم وضعفهم؟

فإن استغاثوا من الحريق والظمأ أغيثوا ... أغيثوا بماء كدردي الزيت المغلي! يشوي الوجوه حين يقترب منها، فكيف بالجوف؟ {بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} .

عاقبة أهل الإيمان

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31) } الكهف: 30 - 31

بعد الترهيب من عاقبة الكافرين الخاسرة ونهايتهم الأليمة، يحمل السياقُ نسائم المبشرات لأهل الإيمان والصلاح قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) } فإيمانهم الصادق وأعمالهم الصالحة لها أجرها وثوابها.

أُولَئِكَ: بيان لبعد منزلتهم ورفعة مقامهم {لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} : حيث المكث الأبدي، {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} فيزدادون بهجةً وحبورا، وأنسا وسرورا، ونضرة ونعيما {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} فما أروعها وأبهاها من حليةٍ بهيجة.

{ ... وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} السندس: ما رقّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه وثخُن، والمعنى: يلبسون ثيابا فاخرةً ناعمةً من رقائق الحرير وما غلظ منه، وإنما خص اللون الأخضر هنا لكونه أحسن الألوان وأزهاها وأحبَّها إلى العيون، وقد قيل ثلاثة يذهبن الحزن: الخضرة والماء والوجه الحسن.

وجمع بين السندس وهو ما رقَّ من الديباج، وبين الإستبرق وهو الغليظ منه زيادةً في النعيمِ، وقدمت التحلية على اللباس لأن الحلي للنفس أحب وإلى القلب أقرب، وفي القيمة أغلى، وفي العين أحلى.

مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ خص الاتكاء: لأنه هيئة المنعمين المُطمئنين، وشأن الملوك على أسرَّتهم. {مُتَّكِئِينَ فِيهَا} {فيها} في قصور الجنة ودورها وأفنيتها ورياضها وأنديتها ومجالسها

{نِعْمَ الثَّوَابُ} : نعم الجزاءُ {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} : أي مقرًا ومجلسًا، وصُحبةً وأنسا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت