أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) [الكهف: 79] .
أما ذو القرنين فإنه نموذجٌ رائعٌ للملك الصالح المتعفف الذي مكنه الله في الأرض فأقام ميزان العدل والإحسان، وأزال سلطان الكفر والطغيان، وحمل رايةَ الحقِّ ومصابيح الهدى، وعاش الناس في عهده حياةً آمنة مطمئنةً.
فشتان بين عهدينِ: عهدٍ ساد فيه الكفر والفساد، وعهد أشرقت فيه شمس الهداية وأضاءت أنوار العدالة، مملكة كافرة تجعل الكفر لها دستورا وسياجا، ومملكة مؤمنة تجعل الإيمان لها عصمةً ومنهاجا ونورا وسراجا! وبضدها تتبين الأشياء.
من هنا تتجلى لنا الصلة بين قصة أصحاب الكهف وبين القصص الأخرى التي انتظمتها هذه السورة الكريمة، حيث تدور حول الابتلاء بزينة الدنيا والافتتان بزخارفها وموقف الناس منها، والعواصم من هذه الفتنة الطاغيةِ وسائر الفتن.
وجه آخر للمناسبة
-ومن أوجه المناسبة بين قصة أصحاب الكهف والهدف الرئيسي لسورة الكهف أنها خطت لنا طريق النجاة من الفتن وأوردت نموذجا عمليا ومثالا واقعيا يُحتذى به، حيث تعرّض الفتية لفتنة عظيمة عصمهم الله منها، حين سعى الملك إلى فتنتهم في دينهم واستغل سلطانه في مساومتهم على الحق وإغرائهم بكل المغريات كما استخدم فتنة التهديد والوعيد، فعصمهم الله تعالى من كل تلك الفتن لمَّا خلُصَت نيتهم وصفت سريرتهم وقويت عزيمتهم وصدق توجههم إلى الله تعالى.
-وهكذا نجد السورة الكريمة تبرز لنا طريق النجاة من جميع الفتن، فتنة السلطان وفتنة الأهل والعشيرة وفتنة المال وفتنة الولد وفتنة العلم وفتنة إبليس اللعين وفتنة القوة والتمكين من خلال قصة ذي القرنين، وفتنة يأجوج ومأجوج وفتنة إتباع الأهواء والاغترار بزخرفِ القولِ، مما يتواكب مع خواص السورة وفضائلها وعصمتها لتاليها من الفتن الحوالكِ.
سبب نزول هذه القصة
ذكر ابن إسحاق: أن قريشا بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود وقالوا لهما: سَلَاهُمْ عَنْ مُحَمّدٍ وَصِفَا لَهُمْ صِفَتَهُ وَأَخْبِرَاهُمْ بِقَوْلِهِ، فَإِنّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأُوَلِ وَعِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ عِلْمِ؛ فَخَرَجَا حَتّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ، فَسَأَلَا أَحْبَارَ يَهُودَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَوَصَفَا لَهُمْ أَمْرَهُ وَأَخْبَرَاهُمْ بِبَعْضِ قَوْلِهِ، وَقَالَا لَهُمْ إنّكُمْ أَهْلُ التّوْرَاةِ، وَقَدْ جِئْنَاكُمْ لِتُخْبِرُونَا عَنْ