أقبل البخارى رحمه الله بكليته على حفظ الحديث فأزكى استعداده وبلغ في الحفظ مبلغًا أذهل العلماء، ولما رأى القوم نبوغه وقوة ذاكرته التى بلغت حدًا غير مألوف ظنوا أنه شرب دواء للحفظ (1) يقول وراقه محمد بن أبى حاتم: فقلت له مرة في خلوة: هل من دواء للحفظ؟ فقال: لا أعلم، ثم أقبل على فقال: لا أعلم شيئًا أنفع للحفظ من نهمة (2) الرجل ومداومة النظر (3) 0 ومما يدل على عجيب حفظه ما ذكره أبو أحمد بن عدى قال: سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخارى قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخارى وأخذوا الموعد للمجلس فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها، من البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث؟ فقال البخارى: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه فما زال يلقى عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من عشرته؟ والبخارى يقول: لا أعرفه، فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهم، ومن كان منهم غير ذلك، يقضى على البخارى بالعجز، والتقصير، وقلة الفهم0 ثم انتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة؛ فقال البخارى: لا أعرفه، فسأله عن آخر؟ فقال لا أعرفه فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة والبخارى لا يزيدهم على: لا أعرفه0 فلما علم البخارى أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول
(1) الإمام البخارى محدثًا وفقيهًا: 52 0
(2) النهمة: بلوغ الهمة في الشيئ ونهم ينهم نهمًا إذا كان لا يشبع لسان العرب: 6: 4563 0
(3) هدى السارى: 512 0