وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا: أي لئن دعونا إلهًا غيره، فقد قلنا إذا جورا ومحالا.
والمعنى الثالث: أن يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله تعالى ومنابذة الناس؛ كما تقول: قام فلانٌ إلى أمر كذا إذا عزم عليه بغاية الجد." [1] ."
وهذه المعاني جميعها محتملة ومتلازمة ولا تعارض بينها، فلا مانع من حمل القيام عليها وتضمينه معنى العزم والمضاء والنهوض بالحق والقيام به وتحمل تبعاته، واجتماعهم على غير موعد، وصدوعهم بالحق أمام الملك.
{إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : لقد تآلفت قلوبُهم، واجتمعت كلمتُهم، وتوحدت دعوتهم، فقالوا جميعا: (رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) لا ربَّ غيره ولا معبودَ سواه، والعجيب أن المشركين بالله تعالى يقرُّون له بالربوبية ومع ذلك يشركون به آلهةً أخرى.
قال أبو السعود رحمه الله:"وضمَّنوا دعواهم ما يحققُ فحواهم ويقضِي بمقتضاها، فإن ربوبيته عز وجل لهم تقتضي ربوبيته لما فيهما". [2]
{لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا} : كما يزعم المشركون، حيث أشركوا بالله غيره في الألوهية مع إقرارهم بأن الخالق الرازق هو الله، لذلك جاء التعبير بـ (إِلَهًا) .
{لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} : إن نحن قلنا بمقالتهم الباطلة فقد انحرفنا عن المنهج القويم ونكبنا عن الصراط المستقيم، والشطط: هو مجاوزة الحد والانحراف عن الجادة والبعد عن الحق، ومنه شطّت الدار إذا بعدت.
بيان بطلان عقائد الشرك
{هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) }
(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10/ 365
(2) - إرشاد العقل السليم لأبي السعود 5/ 210