ثانيها: أنه تعالى إذا أخبر عن ذلك أولًا ثم سمعه منهم، فإنه يكون تأذيه من هذا الكلام أقل مما إذا سمعه منهم أولًا.
ثالثها: أن الله تعالى إذا أسمعه ذلك أولًا، ثم ذكر جوابه معه فحين يسمعه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منهم يكون الجواب حاضرًا، فكان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضرًا، وبهذا ظهرت حكمة تقديم تلك الآية وتهيئة المؤمنين وتثبيت قلوبهم لأقوال أعدائهم. [1]
ونعود إلى قوله: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ} ، وهم أولئك الذين نشروا شائعاتهم واتهاماتهم للنبى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وللمؤمنين يشككون في دينهم، وعدم ثباتهم عليه، بل هم متحيرون لا يدرون إلى أي قبلة يصلون، وهذا تشكيك في صدق الوحى، وبالتالى الرسالة والقرآن الكريم، وبدأوا حربًا قاسية ليضطرب المؤمنون وتتزعزع ثقتهم في دينهم ونبيهم وربهم، ها قد جاءتهم فرصة بغير شوكة اهتبلوها، أقوى وأصعب من ملاقاتهم بالسلاح، وللمرء أن يتخيل حال المؤمنين حينئذ، حيث وصف الله تعالى ذلك الوضع السيء بقوله جل وعلا: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً} [البقرة: 143] . إن رجوع أحد من المؤمنين عن دينه في ذلك الامتحان لهو أقسى من قتله إذ هو تهوين للصف، وتخذيل له وتعريضه للهزيمة النفسية المقدمة للهزيمة العسكرية.
ولتصوير عظم ذلك ذكر الله تعالى أن هذه المقولة هي مقولة السفهاء، والسفيه من لا يميز ما له مما عليه، ويعدل عن طريق منافعه إلى ما يضره، ولا شك أن من فعل ذلك في أمر الدنيا يعدونه سفيهًا، فمن باب الأولى في أمر الدين، وقد وصفهم بالسفاهة أي الخفة والجهل والطيش وعدم تميز الحق النافع، لما أورده عليهم من حجة تدل على سفاهتهم، فقال: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) } [البقرة: 142] . أي من كان له المشرق والمغرب - وليس هناك من ادعى لنفسه، أو لغيره ذلك - فهو يوجه إلى ما يشاء،
(1) الفخر الرازي، التفسير الكبير (2/ 462) .