يتجه في صلاته بمكة قبل الهجرة مستقبلًا بيت المقدس جاعلًا الكعبة بينه وبين بيت المقدس، وهذا ما ورد صحيحًا عن ابن عباس - رضي الله عنهم -. [1]
وذهب بعض العلماء إلى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلى بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة استقبل بيت المقدس [2] .
ولما هاجر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المدينة المنورة استمر في الاتجاه بصلاته نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا [3] . وفي منتصف رجب سنة اثنين للهجرة أمره الله تعالى بالتحول في صلاته إلى الكعبة، قبلة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وهو قول الجمهور من العلماء.
وقد رحب يهود المدينة باستقبال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لقبلتهم، خاصة أنهم قد عاهدوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما أوردنا من قبل، وإن كان ذلك منهم محل إنكار كما ذكر الطبرى في تفسيره عن مجاهد أنهم كانوا يقولون: «يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا [4] » ، كأنهم طمعوا في أن يميل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى دينهم حيث رأوا الإسلام يتابعهم في القبلة دليل صحة شيء من تقاليدهم وطقوسهم.
لخصت الآيات الكريمة سيرة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والمسلمين مع القبلة، حيث كانت حادثًا عظيمًا في تاريخ الجماعة المسلمة، وله آثاره الضخمة في حياتها.
(1) ابن سعد (1/ 243) الطبقات، والحاكم وصححه. وانظر د. أكرم العمرى، السيرة النبوية الصحيحة (349) .
(2) وقد مال إلى هذا الرأى أبو عمر بن عبد البر القرطبى، وانتقد الحافظ ابن حجر هذا الرأى وضعفه فقال في فتح الباري، وهذا ضعيف ويلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصح؛ لأنه يجمع بين القولين، وقد صححه الحاكم وغيره، انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري (1/ 63) .
(3) مسلم (1/ 374) ، وجزم به، وهو قول عدد من الصحابه معاذ وأنس وغيرهما ورواه البخاري ستة أو سبعة عشر شهرًا وقد وفق بين القولين، وخليفة بن خياط في التاريخ (64) ، الطبرى، التفسير (2/ 3) ، وذهب د. مهدى رزق الله إلى أن قول الجمهور في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا وهو رأى ابن اسحاق - ابن هشام - (2/ 182) ، بخلاف ترجيح د. أكرم العمرى ولكن صحت الأحاديث على كلام د. أكرم لما صححه البخاري، وابن حجر في فتح الباري.
(4) الطبرى، التفسير (2/ 20) .