وقلب المؤمن يصوم عن العجب، والعجب تصور الإنسان كمال نفسه، وأنه أفضل من غيره، وأن عنده من المحاسن ما ليس عند الآخرين، وهذا هو الهلاك بعينه. صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:"ثلاث مهلكات: إعجاب المرء بنفسه، وشح مطاع وهوى متبع" [1]
ودواء هذا العجب النظر إلى عيب النفس، وكثرة التقصير، وآلاف السيئات والخطايا التي فعلها العبد، واقترفها ثم نسيها، وعلمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
وقلب المؤمن يصوم عن الحسد، لان الحسد يحبط الأعمال الصالحة، ويطفئ نور القلب، ويعطل سيره إلى الله تعالى.
يقول سبحانه {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (النساء: من الآية54)
ويقول صلى الله عليه وسلم"لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا ولا يبع بعضكم على بيع بعض" [2] . حديث صحيح.
أخبر عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات عن رجل من أصحابه أنه من أهل الجنة [3] فلما سئل ذاك الرجل بم تدخل الجنة؟ قال: لا أنام وفي قلبي حسدا أو حقد أو غش على مسلم. فهل من قلب يصوم صيام العارفين.
صيام العارفين له حنين ... إلى الرحمن رب العالمينا
تصوم قلوبهم في كل وقت ... وبالأسحار هم يستغفرونا
اللهم أهد قلوبنا إلى صراطك المستقيم، وثبتها على الإيمان يا رب العالمين.
كيف يصوم اللسان؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد.
للسان صيام خاص يعرفه الذين هم عن اللغو معرضون، وصيام اللسان دائم في رمضان، وفي غير رمضان، ولكن اللسان في رمضان يتهذب ويتأدب، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لمعاذ رضي الله عنه"كف عليك هذا، وأشار إلى لسانه" [4] فقال معاذ: أو إنا لمؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام:"ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم".
ضرر اللسان عظيم وخطره جسيم، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأخذ بلسانه ويبكي، ويقول: هذا أوردني الموارد.
اللسان سبع ضار، وثعبان ينهش، ونار تلتهب.
لسانك لا تذكر به عورة امرئ ... فكلك عورات وللناس ألسن
ابن عباس رضي الله عنهما يقول للسانه: يا لسان قل خيرا تغنم أو اسكت عن شر تسلم. رحم الله مسلما حبس لسانه عن الخنا، وقيده عن الغيبة، ومنعه من اللغو، وحبسه عن الحرام.
رحم الله من حاسب ألفاظه، ورعى ألحاظه، وأدب منطقه ووزن كلامه.
يقل تبارك اسمه {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (قّ:18) فكل لفظة محفوظة، وكل كلمة محسوبة {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (فصلت: من الآية46)
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال"من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة" [5]
احذر لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنك إنه ثعبان
والله إن الموت زلة لفظة ... فيها الهلاك وكلها خسران
لما تأدب السلف الصالح بأدب الكتاب والسنة، وزنوا ألفاظهم واحترموا كلامهم فكان نطقهم ذكرا، ونظرهم عبرا، وصمتهم فكرا.
ولما خاف الأبرار من لقاء الواحد القهار، أعملوا الألسنة في ذكره وشكره، وكفوا عن الخنا والبذاء والهراء.
قال ابن مسعود رضي الله عنه:"والله ما في الأرض أحق بطول حبس من لسان". يريد الصالحون الكلام فيذكرون تبعاته وعقوباته ونتائجه فيصمتون.
كيف يصوم من أطلق للسانه العنان؟ كيف يصوم من لعب به لسانه وخدعه كلامه وغره منطقه؟ كيف يصوم من كذب واغتاب، وأكثر الشتم والسباب ونسي يوم الحساب؟ كيف يصوم من شهد الزور ولم يكف عن الشرور؟
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" [6] . وهل الإسلام الا عمل وتطبيق، ومنهج وانقياد، وسلوك وامتثال.
يقول جل اسمه {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ} (الاسراء: من الآية53) والتي هي أحسن هي اللفظ المؤدب الجميل البديع الذي لا يجرح هيئة ولا شخصا، ولا عرض مسلم ولا ينال من كرامة المؤمن.
يقول عز وجل {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} (الحجرات: من الآية12)
كم من صائم أفسد صومه فسد لسانه وساء منطقه واختل لفظه؟
ليس المقصود من الصيام الجوع والظمأ، بل التهذيب والتأديب.
في اللسان أكثر من عشرة أمراض إذا لم يتحكم فيه.
من عيوبه الكذب، والغيبة، والنميمة، والبذاءة، والسب، والفحش، والزور، واللعن، والسخر، والاستهزاء، وغيرها.
(1) رواه البزار والعقيلي وأبو بكر الدينوري في المجالسة وجواهر العلم والسياق له وأبو مسلم الكاتب في الأمالي وأبو نعيم في الحلية والهروي في ذم الكلام وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة.
(2) رواه مسلم
(3) رواه أحمد بإسناد على شرط البخاري ومسلم ورواه النسائي والبهقي وغيرهم.
(4) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه.
(5) رواه البخاري عن سهل بن معاذ
(6) متفق عليه