كانت بيوت المهاجرين والأنصار في ظلام الليل مدارس تلاوة وجامعات تربية، ومعاهد إيمان، فما لبيوت كثير من الناس اليوم أصبحت ثكنات للغناء والمجون وملاجئ للسفه واللهو، اللهم عفوك يا كريم.
فلما فقدنا قيام الليل قست قلوبنا، وجفت دموعنا وضعف إيماننا.
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:"من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" [1] . مما يعين على قيام الليل تذكر ذاك القيام المهول: يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور.
ومما يعين على قيام الليل تذكر ظلمة القبر ووحشة القبر وهم القبر، فقيام الليل نور الظلمة القبور، ومما يعين على قيام الليل تذكر الأجر والمثوبة والعفو عن الخطيئة والذنب.
تفنن السلف في قيام الليل، فمنهم من أمضى الليل راكعا، ومنهم من قطعه ساجدا، ومنهم من أذهبه قائما، منهم التالي الباكي، ومنهم الذاكر المتأمل، ومنهم الشاكر المعتبر. لماذا أقفرت بيوتنا من قيام الليل، لماذا خوت من التلاوة. لماذا شكت منازلنا من قلة المتهجدين:
أيا دار سلمى كنت أول منزل ... نزلنا به والركب ضبحت بلابله
نزلنا فلم نشهد به رفقة مضت ... فسال من الدمع المكتم عاجله
إذا أظلم الليل نامت قلوب الغافلين، وماتت أرواح اللاعبين، حينها تحي القلوب المؤمنة، وتسهر العين الخائفة.
نامت الأعين إلا مقلة ... وتذرف الدمع وترعى مضجعك
كيف ينام من يتذكر رقدة القبور، والحشر يوم النشور، وقاصمة الظهور، ما كنا نظن أن جيلا من المسلمين يسهر على البلوت والشطرنج والغناء، وقلة الحياة، فرحماك يا رب:
كن كالصحابة في زهد وفي ورع ... القوم هم ما لهم في الناس أشباه
عباد ليل إذا جن الظلام بهم ... كم عابد دمعه في الخد أجراه
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لابن عمر:"يا عبد الله لا تكن كفلان كان يقوم الليل ثم ترك قيام الليل" [2]
البيت الإسلامي في رمضان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد.
يقول المولى جلت قدرته: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (التوبة:109)
البيت الإسلامي بيت أسس على التقوى، عماده تقوى الله، وأطنابه الأعمال الصالحة، وحديقته امتثال أمر الله تعالى.
يقول عز من قائل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ} (التحريم: من الآية6)
البيت أمانة ومسئولية ورعية، فهل من راع واع ومن مسئول أمين.
صح عن عليه الصلاة والسلام أنه قال:"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" [3] ورعاية البيت في رمضان وغيره، تقوم بأمرهم بالصلاة، قال تبارك وتعالى {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} (مريم:55)
إن أحوج ما يحتاجه البيت المسلم إلى أب رشيد وأم مؤمنة يقومان على تربية البيت.
يقول الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (النساء: من الآية58) وإن من أعظم الأمانات أمانة البيت وإصلاح البيت.
البيت الإسلامي يعيش رمضان ذكرا وتلاوة وخشوعا وتقوى.
البيت الإسلامي عامر بسنة محمد عليه الصلاة والسلام في الطعام الشراب والمدخل والمخرج واليقظة والمنام.
البيت الإسلامي يحترم الحجاب ويدين لله به ويعتبره شرفا وعزا للمرأة، وأجرا ومثوبة عند الله عز وجل.
ابتليت بيوت كثيرة بالغناء، فأفسد قلوب أهلها وضيع مستقبلها وفتت قوتها.
دخل الغناء واللهو بعض البيوت، فخرج الذكر والسكينة والحشمة والوقار. قال تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (لقمان: من الآية6) ولهو الحديث عند أهل العلم هو الغناء، فكم عبث الغناء بالقيم وسفه المبادئ وأرهق العقول.
البيت الإسلامي يصحو على ذكر الله وينام على ذكره بعيدا عن اللغو والهراء. قال تعالى {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} (المؤمنون:3)
البيت الإسلامي يستحي من الله تعالى، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال"يا أيها الناس استحيوا من الحق حق الحياء، والاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ولتذكر الموت والبلا ومن أراد الآخرة وترك زينة الدنيا" [4]
بيوت الصالحين لها دوي ... بذكر الله رب العالمينا
لها نور من التوفيق عال ... كأن شعاعه من طور سينا
ليت البيوت الإسلامية تدخل العلم الشرعي جنباتها لتكون رياضا للمغفرة وبساتين للعرفان.
(1) رواه السبعة البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد.
(2) متفق عليه.
(3) متفق عليه.
(4) رواه الترمذي وأحمد وحسنه الألباني.