فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 29

آكل الربا يضحك على نفسه، فيملأ بطنه من الحرام، ويدعو ربه وقد سد طرق الإجابة وأغلق باب القبول.

صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه ذكر الرجل أشعث أغبر يطيل السفر يمد يديه إلى السماء يقول يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له" [1] فهذا رجل كثير العبادة، ولكنه آثم في طعامه، غير متق لله في أكله وشرابه."

كيف يصوم البطن وقد أفطر على الحرام وطعامه من الربا والسحت، والغش ومال اليتيم والغصب.

فسدت والله كل الأذواق لما فسد الطعام والشراب، قست القلوب لما خبث المأكل والمشرب، انطمس النور لما فقدت اللقمة الحلال.

صح عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه تغدى يوما من الأيام ثم سأل خادمه من أين هذا الطعام؟ فقال: من كهانة كنت أتكهن بها في الجاهلية، فأدخل أبو بكر يده وانتغر فأخرج ما في بطنه من الطعام [2] ، فرض الله عنه ما أصدقه وأطيبه وأطهره.

اللقمة تبقى في بطن صاحبها ويبقى أثرها مع اللحم والدم وأي جسد نبت من الحرام فالنار أولى به.

كان السلف الصالح يعرفون من أين يأكلون، فصفت أذواقهم وصحت أبدانهم وأشرقت قلوبهم، فلما فسد طعام المتأخرين وشرابهم انطمست معالم الهدى في قلوبهم.

صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال"ما أكل عبد طعاما خيرا من أن يأكل من كسب يده، وإن نبي الله داود عليه السلام، كان يأكل من طعام يده" [3]

فزكريا عليه السلام كان نجارا وداود عليه السلام كان حدادا ومحمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يرعون الغنم.

والإسلام يدعو إلى الكسب وطلب الرزق لكن من أبوابه المشروعة.

يقول سبحانه {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى} (الأنعام: من الآية152) وقال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (النساء:10) وقال عز وجل {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة:188) وقال عز اسمه {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} (البقرة: من الآية275) .

وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال"لعن الله الراشي والمرتشي"ويروى الرائش [4]

يقول سبحانه ذامًّا من فسد من اليهود والنصارى {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (المائدة:62)

يقص علينا ابن الجوزي في صيد الخاطر أنه أكل أكلة من شبهة فتغير قلبه وأظلم عليه فترة من الزمن، وذلك لصفاء قلوبهم أحسوا بالتغير، أما الكثير اليوم فيأكل ما أراد من الحرام فلا يرى تغير قلبه لأنه:

من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام

وتناول بعضهم الخمر والمسكر بأنواعه فحرم لذة العبادة وحلاوة الطاعة، وعاش منغصا قلقا محروما من السعادة ومن ساعة الإجابة فيا أيها الصائم هناك صيام البطن من لم يصمه فكأنه ما صام فهل من صائم عن الحرام، ورع عن الشراب والطعام ليدخل دار السلام.

اللهم اجعلنا ممن يحلل حلال الشريعة ويحرم حرامها.

أخطاء يقع فيها الصائمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد.

يخطئ كثير من الصائمين في عدم التفقه في دين الله تعالى بما فيه الصيام، فكثير منهم لا يعرف ما يفطر صومه ولا ما يجرحه ولا ما يفسده، وماذا يسن للصائم، وماذا يجوز له، وماذا يجب عليه وما يحرم عليه.

وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" [5]

فكأن الذي لا يتفقه في الدين ولا يسأل عن أمور دينه ما أراد الله به خيرا.

يقول سبحانه لعباده {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (النحل: من الآية43) وأهل الذكر هم العلماء، فحق المسلم الذي يريد أن يعبد الله على بصيرة أن يسال عما يجهله من أمر دينه ويبحث عن العلم ويحرص على التفقه في الدين.

ويقع بعض الصائمين في ذنوب عظيمة تفسد عليهم صيامهم وتضيع عليهم قيامهم منها الغيبة، وقد سبق ذكرها في درس كيف يصوم اللسان؟ ومنها النميمة والفحش في القول ولاستهزاء واللعن وغيرها من ذنوب اللسان.

(1) أخرجه مسلم والترمذي

(2) رواه مسلم.

(3) رواه البخاري وغيره وهذا لفظ البخاري في صحيحه عن المقدام ـ كتاب البيوع باب كسب الرجل بعمل يده.

(4) رواه أحمد والأربعة وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان

(5) متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت