قال البيهقي: إن صح هذا فلأنه امتنع من التوبة من قَذْفِه، وأقام على ذلك.
قال الذهبي: قلت: كأنه يقول لم أقذِف المغيرة، وإنما أنا شاهد، فجنح إلى الفرق بين القاذف والشاهد، إذ نصاب الشهادة لو تمّ بالرابع لتعيَّن الرجم، ولما سُمُّوا قاذِفين.
سادسًا: في الرواية تُقبل رواية المبتدع، إذا لم تكن بدعته مُكفِّرة، وهذا ما يُطلق عليه عند العلماء (الفاسق الْمِلِّي) ، الذي فِسقه متعلق بالعقيدة، لا بالعمل.
وروى العلماء عن أُناس تكلّموا في القدر، ورووا عن الشيعة، وليس عن الرافضة الذين غَلَوا في دين الله!
ورووا عن الخوارج لِصِدقِهم.
ورووا عمّن يشرب النبيذ.
وعن غيرهم من خالَف أو وقع في بدعة
فإذا كان هؤلاء في نظر أهل العلم قد فسقوا بأفعالِهم هذه، فإنه رووا عنهم لأن هؤلاء لا يرون أنهم فسقوا بذلك، ولو رأوه فسقًا لتركوه!
فتأمّل الفرق البيِّن الواضح.
وأبو بكرة رضي الله عنه مع كونه صحابيًا جاوز القنطرة، إلا أنه يرى بنفسه أنه لم يأتِ بما يُفسِّق، ولو رأى ذلك لَتَاب منه.
وهو - حقيقة - لم يأتِ بما يُفسِّق.
غاية ما هنالِك أنه أدى شهادة طُلِبت منه، فلم يقذِف ابتداء، كما علِمت.
والصحابة قد جاوزوا القنطرة، والطّعن في الصحابة طَعن فيمن صحِبوا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
فإن القدح في خير القرون الذين صحِبُوا الرسول صلى الله عليه وسلم قَدْحٌ في الرسول عليه السلام، كما قال مالك وغيره من أئمة العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين، وأيضا فهؤلاء الذين نَقَلُوا القرآن والإسلام وشرائع النبي صلى الله عليه وسلم. . اهـ.
فإن مرتبة الصُّحبة كافية في العَدَالَة.
ولذا قيل لهم ما لم يُقَل لغيرهم
ونالوا من شرف المراتب ما لم يَنَلْه غيرهم