فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 71

فهذا الإمام الكبير والحافظ الخبير يحيى بن معين يقوم باختبار شيخه أبي نعيم , لا على سبيل التعنت والإحراج وإنما ليصل بذلك إلى توثيق آلاف الأحاديث التي رواها عنه , وقد كان الإمام أحمد واثقًا من شيخه أبي نعيم ويعتقد أنه ثقة , ولكن يحيى أصر على الاختبار ليحصل على مزيد من الثقة .

ونجح الشيخ أبو نعيم رحمه الله تعالى في ذلك الاختبار , ولكنه غضب غضبًا شديدًا , وكَبُر عليه أن يحصل ذلك من تلاميذه وهذا هو الذي كان يخشى منه أحمد بن حنبل .

وتلقَّى يحيى ضريبة عمله ذلك رفسة أطاحت به من قدم شيخه ولكن هذه الرفسة كانت عند يحيى أحلى من فرحة العودة من سفرته العلمية إلى اليمن .

لقد استقرت نفس يحيى واطمأن بعد ذلك الاختبار لحديث أبي نعيم الكثير فلِمَ لايكون ذلك أحلى عنده مما جمعه من عبد الرزاق الصنعاني في سفرته إلى اليمن ؟

إن سعادة هؤلاء العلماء النفسية ومتعتهم الروحية تتحقق فيما يقدمونه لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خدمة في جمعها وتنقيتها ومعرفة درجات رواتها في القوة والضعف , ومن أجل هذه السعادة استحلى يحيى تلك الرفسة من أبي نعيم فرحمهم الله تعالى رحمة واسعة .

ومن أمثلة اهتمامهم أنهم كانوا يكتبون الحديث مرات عديدة كما رُوي عن يحيى بن معين أنه قال: لو لم نكتب الحديث خمسين مرة ماعرفناه (1) .

ولعل ذلك بتعدد الروايات عن الشيوخ حيث يروون الحديث الواحد مرات عديدة بأسانيد متعدده , وهذا دليل على الجد والمثابرة في جمع العلم حيث لم يكتفوا برواية واحدة للحديث الواحد أو روايات قليلة , وكلما تكرر متن الحديث زادوا به معرفة وإتقانًا وضبطا , وبهذا نالوا مرتبة الحفظ التام والإتقان الكامل .

ومما روي من توسع يحيى بن معين في العلم ماذكره أحمد بن عقبة قال: سألت يحيى بن معين: كم كتبت من الحديث ؟ قال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث.

قال الإمام الذهبي: يعني بالمكرر .

(1) …سير أعلام النبلاء 11/84 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت