فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 360

السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح سماء الدنيا، ثم يقولون لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ ... ) الحديث [1] .

ولثقل الوحي ومعاناة النبي - صلى الله عليه وسلم - دلائل عدة من حيث موضوع البحث:

فأولها: التأكيد على توثيق النص القرآني حال إنزاله، برفع مستوى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المستوى البشري مع بقائه خارج هذه اللحظات على بشريته فهي الأغلب عليه، وهو ما يدعوه إلى تحمل ما يترتب على ذلك، كما أن وجود شدة العَرَق في اليوم الشديد البرد، وثقل الجسد يدل على طاقة جبارة هائلة يبذلها النبي - صلى الله عليه وسلم - ... وهو ما يؤدي إلى غرس المُلْقَى إليه من القرآن الكريم في فؤاده غرسًا، ونقشها في قلبه نقشًا.

ومن المعلوم أنك عندما تضرب شخصًا ضربًا شديدًا، أو تضغط بعض أعضائه ضغطًا موجعًا وتقول إثر ذلك كلمة فإنه لا ينساها ... ولذا كان الغت أو الغط في أول الوحي، وبُرحاء الوحي بعد ذلك في مظاهرها المتعددة ... وثمة ملحوظة أخرى: هي تنوع مظاهر هذه البُرحاء بين صلصلة جرسٍ ودوي نحلٍ، وثقل جسد لتحقيق هدف النقش بأساليب مفاجئة مختلفة لا تعتادها النفس. وهو ما يعطي آفاقًا كبيرة في الأسلوب التربوي الذي ينبغي أن يُتَبع في حياتنا التعليمية.

وثانيها: وجود العلامة الحسية المشعرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بنزول الوحي، وهو ما يدفع تطرق التوهم إليه فيطمئن قلبه -بعد- إذا استيقن، ويدفع تطرق التوهم إلى غيره، فيعلمون سبل الاتصال الرسول الملَك والرسول البشر، فيغدو ما يستنكرونه من هذا الاتصال كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.

وثالثها: أن العلامة الحسية على الرغم من شدتها إلا أنها غير مشاهدة لغيره، ولا محسوسة من أحد سواه ممن حوله، إنما يشاهدون أعراضها في جسده مما لا يدخل تحت نطاق القدرة البشرية [2] ، فلا وجه لنفي قراءة جبريل - عليه السلام - ما أنزله حرفًا حرفًا حال إنزال الوحي القرآني على

(1) فتح الباري 8/ 538، مرجع سابق.

(2) أي أنهم اعتادوا ذلك من بعد بما يرونه من تأثر يظهر عليه على هيئة معينة ... سموها (بُرحاء الوحي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت