إضافة إلى أن بعض الدارسين في هذه المعاهد يعاني من غربة المكان، فأقل ما يمكن أن يقال: إنه لم يؤهل لعصره، ولم يسلم مفاتيح التعامل مع الواقع من الناحية الشرعية.. فقد يحمل الفقه المكتوب ويحفظ متونه، لكنه لا يفقه شيئًا عن الواقع، فهو خارج المجتمع الذي يعيش فيه.. وجهله لمشكلاته وقضاياه ومداخله وثقافته قد يجعل مداخلته ساذجة وسطحية في كثير من الأحيان، ويجعل خطابه (صيحة في واد) .. حتى العلوم الاجتماعية والإنسانية التي تشكل الرؤية المطلوبة ودليل العمل للوصول إلى الأمة وتوصيل رسالة الإسلام لها، قد لا تشعر بعض المعاهد بأهميتها! ذلك أن أمر استيعابها وتدريسها قد يحتاج إلى جهود، وترافقه احتمالات الخطأ، وهذه مشكلات لا تحتاجها عمليات التعليم القائمة على الشحن من كتب السابقين والتفريغ على رؤوس المعاصرين.
وقد أدت هذه الغربة عمليًا إلى لون من الانشطار الثقافي، وخروج بعض معاهد العلم الشرعي من قلب المجتمعات لتعيش على هوامشها غير الفاعلة، وساهم إلى حدٍ بعيد بتدعيم مؤسسات التعليم الذي يصطلح على تسميته بالتعليم المدني، الذي أبصر المجتمع وخطط لاحتلاله، وهيأ الطالب لوظائفه ومسؤولياته، الأمر الذي انعكس بدوره أيضًا على مدخلات المعاهد الشرعية، حيث أصبح لا يُقبِل عليها في غالب الحال إلا أصحاب المعدلات المتدنية، الذين لم يجدوا مكانًا لهم في مؤسسات التعليم المدني، إلا من رحم الله من المتميزين القادرين على اجتياز العقبة وإدراك أهمية الفقه في الدين، وإبصار عاقبة الأمور، على الرغم من أنه قد يصاب هؤلاء مع الأسف ببعض النماذج من القائمين على أمر التعليم الشرعي دون مؤهلات صحيحة فيسيئون إلى تطلعاتهم، ويحبطون عقولهم، ويقتلون طموحهم، ويساهمون بعجزهم وتفتيت معارفهم، وبعثرة قدراتهم، والقضاء على ملكاتهم. وبذلك تصبح مخرجات المعاهد الشرعية (ضغثًا على إباله) ، كما يقول المثل.