الصفحة 4 من 39

**قال الرازى: اعلم أن الحياة هي الأصل في النعم ولولاها لم يتنعم أحد في الدنيا وهي الأصل أيضًا في نعم الآخرة ولولاها لم يثبت الثواب الدائم ، والموت أيضًا نعمة وكيف لا وهو الفاصل بين حال التكليف وحال المجازاة وهو نعمة من هذا الوجه ، قال عليه الصلاة والسلام:"أكثروا من ذكر هادم اللذات"وقال لقوم:"لو أكثرتم ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى"- قلت: الحديث ضعيف - وسأل عليه الصلاة والسلام عن رجل فأثنوا عليه ، فقال:"كيف ذكره الموت؟ قالوا قليل ، قال فليس كما تقولون".

قلت الأثر الأخير رواه عبد الرزاق في مصنفه و رجاله ثقات إلا إنه مرسل قال: حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا مسعر عن علقمة بن مرثد عن ابن سابط قال ذكر رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فأحسن عليه الثناء فقال النبي صلى الله عليه وسلم كيف ذكره للموت فلم يذكر ذلك فقال ما هو كما تذكرون

** قال الرازى: الابتلاء هو التجربة والامتحان حتى يعلم أنه هل يطيع أو يعصي ، والحاصل أن الابتلاء من الله هو أن يعامل عبده معاملة تشبه ( الابتلاء ) على المختبر .

** قال بن عاشور:وتعليل فعل بعلة لا يقتضي انحصار علله في العلة المذكورة فإن الفعل الواحد تكون له علل متعددة فيذكر منها ما يستدعيه المقام .

ولا أشك في أن بناء هذا العالم على ناموس الموت والحياة له حكمة عظيمة يعسر على الإفهام الاطلاع عليها .

*** و أسوق لك فصلا ملخصا من كتاب الرحيق المختوم عن أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز بفصاحة اللسان، وبلاغة القول، وكان من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلامة طبع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها، اجتمعت له قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي .

وكان الحلم والاحتمال، والعفو عند المقدرة، والصبر على المكاره، صفاتٌ أدبه الله بها، وكل حليم قد عرفت منه زلة، وحفظت عنه هَفْوَة، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يزد مع كثرة الأذي إلا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما، وقالت عائشة: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها . وكان أبعد الناس غضبًا، وأسرعهم رضًا .

وكان من صفة الجود والكرم على مالا يقادر قدره، كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة . وقال جابر: ما سئل شيئًا قط فقال: لا .

وكان من الشجاعة والنجدة والبأس بالمكان الذي لا يجهل، كان أشجع الناس، حضر المواقف الصعبة، وفر عنه الكماة والأبطال غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، ولا يتزحزح، وما شجاع إلا وقد أحصيت له فَرَّة، وحفظت عنه جولة سواه، قال علي: كنا إذا حمي البأس واحمرت الحَدَقُ، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه . قال أنس: فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قِبَلَ الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعًا، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عُرْي، في عنقه السيف، وهو يقول: ( لم تُرَاعوا، لم تُرَاعوا ) .

وكان أشد الناس حياء وإغضاء، قال أبو سعيد الخدري: كان أشد حياء من العذراء في خِدْرها، وإذا كره شيئًا عرف في وجهة . وكان لا يثبت نظره في وجه أحد، خافض الطرف نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظة، لا يشافه أحدًا بما يكره حياء وكرم نفس، وكان لا يسمي رجلًا بلغ عنه شيء يكرهه، بل يقول . ( ما بال أقوام يصنعون كذا ) .

وكان أحق الناس بقول الفرزدق:

يغضي حياء ويغضي من مهابته ** فلا يكلم إلا حين يبتسم

وكان أعدل الناس، وأعفهم، وأصدقهم لهجة، وأعظمهم أمانة، اعترف له بذلك مجاوروه وأعداؤه، وكان يسمي قبل نبوته الأمين، ويُتَحاكم إليه في الجاهلية قبل الإسلام، روي الترمذي عن على أن أبا جهل قال له: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله تعالى فيهم: { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ } [ الأنعام: 33 ] . وسأل هرقل أبا سفيان، هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال: لا .

وكان أشد الناس تواضعًا، وأبعدهم عن الكبر، يمنع عن القيام له كما يقومون للملوك، وكان يعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس في أصحابه كأحدهم، قالت عائشة: كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل بيده كما يعمل أحدكم في بيته، وكان بشرًا من البشر يَفْلِي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه .

وكان أوفي الناس بالعهود، وأوصلهم للرحم، وأعظمهم شفقة ورأفة ورحمة بالناس، أحسن الناس عشرة وأدبًا، وأبسط الناس خلقًا، أبعد الناس من سوء الأخلاق، لم يكن فاحشًا، ولا متفحشًا، ولا لعانًا، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وكان لا يدع أحدا يمشي خلفه، وكان لا يترفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا ملبس، ويخدم من خَدَمَه، ولم يقل لخادمه أف قط، ولم يعاتبه على فعل شيء أو تركه، وكان يحب المساكين ويجالسهم، ويشهد جنائزهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره . كان في بعض أسفارة فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل: على ذبحها، وقال آخر: على سلخها، وقال آخر على طبخها، فقال صلى الله عليه وسلم: ( وعلي جمع الحطب ) ، فقالوا: نحن نكفيك . فقال: ( قد علمت أنكم تكفوني ولكني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه ) ، وقام وجمع الحطب .

ولنترك هند بن أبي هالة يصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال هند فيما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ـ لا بأطراف فمه ـ ويتكلم بجوامع الكلم، فصلًا، لا فضول فيه ولا تقصير، دمثًا ليس بالجافي ولا بالمهين، يعظم النعمة وإن دقت، لايذم شيئًا، ولم يكن يذم ذواقًا ـ ما يطعم ـ ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها ـ سماحة ـ وإذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام .

وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه، يؤلف أصحابه ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره .

يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره .

الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة .

كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن ـ لا يميز لنفسه مكانًا ـ إذا انتهي إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه ، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق متقاربين، يتفاضلون عنده بالتقوي، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم ـ لا تخشي فلتاته ـ يتعاطفون بالتقوي، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويؤنسون الغريب .

كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صَخَّاب، ولا فحاش، ولا عتاب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يقنط منه . قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: لا يذم أحدًا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رءوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا . لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، يقول: إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ .

وقال خارجة بن زيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئًا من أطرافه، وكان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن تكلم بغير جميل، كان ضحكه تبسمًا، وكلامه فصلا لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم توقيرًا له واقتداء به .

وعلى الجملة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم محلي بصفات الكمال المنقطعة النظير، أدبه ربه فأحسن تأديبه، حتى خاطبه مثنيًا عليه فقال: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم: 4 ] ، وكانت هذه الخلال مما قرب إليه النفوس، وحببه إلى القلوب، وصيره قائدًا تهوي إليه الأفئدة، وألان من شكيمة قومه بعد الإباء، حتى دخلوا في دين الله أفواجًا .

وهذه الخلال التي أتينا على ذكرها خطوط قصار من مظاهر كماله وعظيم صفاته، أما حقيقة ما كان عليه من الأمجاد والشمائل فأمر لا يدرك كنهه، ولا يسبر غوره، ومن يستطيع معرفة كنه أعظم بشر في الوجود بلغ أعلى قمة من الكمال، استضاء بنور ربه، حتى صار خلقه القرآن ؟

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حَميد مجيد .

اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميد مجيد .

قلت (شريف) : سبحان الله و من يطيق هذا و لكن ما لا يؤخذ كله لا يترك كله اللهم أعنا و أغفر لنا التقصير.

**"وَهُوَ العزيز الغفور": قال بن عاشور:وجملة ( وهو العزيز الغفور ) تذييل لجملة ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) إشارة إلى صفاته تعالى تقتضي تعلقا بمتعلقاتها لئلا تكون معطلة في بعض الأحوال والأزمان فيفضي ذلك إلى نقائضها .اه

فهو العزيز الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل ، الغفور لمن تاب من أهل الإساءة .

قال الرازى:واعلم أن كونه عزيزًا غفورًا لا يتم إلا بعد كونه قادرًا على كل المقدورات عالمًا بكل المعلومات أما أنه لا بد من القدرة التامة ، فلأجل أن يتمكن من إيصال جزاء كل أحد بتمامه إليه سواء كان عقابًا أو ثوابًا ، وأما أنه لا بد من العلم التام فلأجل أن يعلم أن المطيع من هو والعاصي من هو فلا يقع الخطأ في إيصال الحق إلى مستحقه ، فثبت أن كونه عزيزًا غفورًا لا يمكن ثبوتها إلا بعد ثبوت القدرة التامة والعلم التام ، فلهذا السبب ذكر الله الدليل على ثبوت هاتين الصفتين في هذا المقام ، ولما كان العلم بكونه تعالى قادرًا متقدمًا على العلم بكونه عالمًا ، لا جرم ذكر أولًا دلائل القدرة وثانيًا دلائل العلم .

*** و أسوق لك من لسان العرب مختصرا مفيدا في معنى العزيز و العزة و مشتقات الكلمة و ما يليق منها بالله سبحانه:

العَزِيزُ من صفات الله عز وجل وأَسمائه الحسنى:

1 -قال الزجاج هو الممتنع فلا يغلبه شيء.

2 -وقال غيره هو القوي الغالب كل شيء.

3 -وقيل هو الذي ليس كمثله شيء.

4 -وهو الذي يَهَبُ العِزَّ لمن يشاء من عباده .

* والعِزُّ خلاف الذُّلِّ وفي الحديث قال لعائشة هل تَدْرِينَ لِمَ كان قومُك رفعوا باب الكعبة ؟ قالت لا قال تَعَزُّزًا أَن لا يدخلها إِلا من أَرادوا أَي تَكَبُّرًا وتشدُّدًا على الناس وجاء في بعض نسخ مسلم تَعَزُّرًا براء بعد زايٍ من التَّعْزير والتوقير فإِما أَن يريد توقير البيت وتعظيمه أَو تعظيمَ أَنفسهم وتَكَبُّرَهم على الناس.

*والعِزُّ في الأَصل القوة والشدة والغلبة .

*والعِزُّ والعِزَّة الرفعة والامتناع .

وفي التنزيل العزيز ولله العِزَّةُ ولرسوله وللمؤمنين أَي له العِزَّة والغلبة سبحانه .

وفي التنزيل العزيز من كان يريد العِزَّةَ فللَّه العِزَّةُ جميعًا أَي من كان يريد بعبادته غير الله فإِنما له العِزَّة في الدنيا ولله العِزَّة جميعًا أَي يجمعها في الدنيا والآخرة بأَن يَنْصُر في الدنيا ويغلب .

و أَعِزَّةٍ على الكافرين أَي جانبُهم غليظٌ على الكافرين قال الأَزهري يَتَذَلَّلُون للمؤمنين وإِن كانوا أَعِزَّةً ويَتَعَزَّزُون على الكافرين وإِن كانوا في شَرَف الأَحْساب دونهم .

ورجل عزِيزٌ مَنِيع لا يُغْلب ولا يُقْهر وقوله .

وأَعَزَّه اللهُ وعَزَزْتُ عليه كَرُمْت عليه .

وقوله تعالى وإِنه لكتاب عَزِيزٌ لا يأْتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خَلْفه أَي: حُفِظَ وعَزَّ مِنْ أَن يلحقه شيء من هذا.

وتَعَزَّزَ الرجلُ صار عَزِيزًا وهو يَعْتَزُّ بفلان واعْتَزَّ به وتَعَزَّزَ تشرَّف وعَزَّ عَليَّ يَعِزُّ عِزًّا وعِزَّةً وعَزازَةً كَرُمَ

وأَعْزَزتُه أَكرمته وأَحببته.

وعَزَّ عَلَيَّ أَنْ تفعل كذا وعَزَّ عَلَيَّ ذلك أَي حَقَّ واشتدَّ

وأُعْزِزْتُ بما أَصابك عَظُم عليَّ .

يقال عَزَّ عليَّ يَعِزُّ أَن أَراك بحال سيئة أَي يشتدُّ ويشق عليَّ .

*والعِزَّةُ الشدَّة والقوَّة يقل عَزَّ يَعَزُّ بالفتح إِذا اشتدَّ .

وعَزَزْتُ القومَ وأَعْزَزْتُهم وعَزَّزْتُهم قَوَّيْتُهم وشَدَّدْتُهم .

وفي التنزيل العزيز أذِلَّةٍ على المؤْمنين أَعِزَّةٍ على الكافرين أَي أَشِداء عليهم .

وعَزَّ الشيءُ يَعِزُّ عِزًّا وعِزَّةً وعَزازَةً وهو عَزِيز قَلَّ حتى كاد لا يوجد وهذا جامع لكل شيء .

وعَزَّه يَعُزُّه عَزًّا قهره وغلبه وفي التنزيل العزيز وعَزَّني في الخِطاب أَي غلبني في الاحتجاج .

وفي المثل من عَزَّ بَزَّ أي غَلَبَ سَلَبَ والاسم العِزَّة وهي القوّة والغلبة

وقوله عَزَّ على الريح الشَّبُوبَ الأَعْفَرا أَي غلبه وحال بينه وبين الريح فردَّ وجوهها

وعازَّني فَعَزَزْتُه أَي غالبني فغلبته

والعِزُّ المطر الغَزير

واسْتَعَزَّ فلان بحقِّي أَي غَلَبَني

واسْتُعِزَّ بفلان أَي غُلِبَ في كل شيءٍ من عاهةٍ أَو مَرَضٍ أَو غيره

وفي الحديث أَن فلانا اسْتُعِزَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه أَي اشتدّ به المرضُ وأَشرف على الموت يقال عَزَّ يَعَزُّ بالفتح

* قوله « يقال عز يعز بالفتح إلخ » عبارة النهاية يقال عز يعز بالفتح إِذا اشتد واستعز به المرض وغيره واستعز عليه إذا اشتد عليه وغلبه ثم يبنى الفعل للمفعول ) إِذا اشتدَّ واسْتُعِزَّ عليه إِذا اشتد عليه وغلبه .

ومُعَزَّزٌ بكم أَي مشدد بكم ومُثَقَّل عليكم الأَمرُ.

وفلانٌ مِعْزازُ المرض أَي شديده ويقال له إِذا مات أَيضًا قد اسْتُعِزَّ به .

*** و نختم الآية هنا بما يسر الأبرار و يكيد الكفار فنقول: أن الله سبحانه علمنا في هاتين الآيتين علوما غزيرة هي أصول لحقائق الكون أما انعكاساتها في الواقع و أثرها في الكون من أحداث فهذا لا يحصيه إلا الله سبحانه .

فبدأت السورة أن الله سبحانه متقدس في ذاته متصف بكل كمال و متعالي عن كل نقص و ملك كل في يده و لا يعجزه شيء قط و علمتنا الآية أن من آثار ملكه و قدرته خلق الموت و الحياة و ابتلاء الخلق بما يظهر أيهم أحسن عملا .

و الله عزيز لا تضره معصية و لا تنفعه طاعة فهو ممتنع قوى لا يبلغ أحد ضره فيضره و لا نفعه فينفعه فإذا رأيت في الدنيا من بعض الخلق إجراما فأعلم أن شر الدنيا ليس بشر و أنه لم يُمَكن في القدرة الحقيقة على الأذى إنما أعطي بعضها ابتلاء و اختبارا له و به أما الآخرة فيظهر فيها الخير و الشر الحقيقي أناس يأكلون الزقوم و يشربون الحميم و يلبسون النار و يحيون في النار أمنيتهم شربة ما أو أن يخفف عنهم يوما واحدا فقط من العذاب السرمدي فقط يوما واحدا و لا يجابون هذه لمحة من حياتهم و لا زيادة لهم غلا في العذاب .فإذا رأيت الطغاة في دنيا البشر فأعلم أن الله ملك عادل لا يرضى بالظلم و يوشك كل منهم أن يلقى حسابه .

فلا تغتر بتقلبهم في البلاد و طول عمرهم فالدنيا قصيرة و لكن الابتلاء يهيأ لنا أنها طويلة و الله منتقم منهم يحاسبون على النقير و القطمير حيث لا ملك لهم و لا نصير و سيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون .

و لا تغتر بكثرة العصيان حولك فالكون كله يسبح الله و لكنا لا نفقة تسبيحه و الدنيا دار ابتلاء نبتلى فيها بذلك ليظهر الصديق من الزنديق و يوشك الأمر أن ينقضي و الدنيا أن تزول .

فالله عزيز و لكن حكمته اقتضت وجود الشرور في الدنيا و إمهال بعض المجرمين و العصاة فلا يغرنك ذلك.

و الله مع عزته غفور يمهل العصاة بل و الكفار المجرمين و لولا فضله و رحمته ما زكى من العباد أحد أبدا و لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة فلا يقنط من رحمته إلا ضال فالواجب على خلقه من حق عظمته لا يطيقونه و لكنه سبحانه رضي باليسير من العمل و تجاوز عن الكثير من الزلل كتب على نفسه الرحمة و ما ذكرنا وقود للقلوب لتتوجه إليه و تحبه وتؤثره و ترجو خيره و تحذر عذابه و لا تقنط من رحمته لعظيم عظمته و لكن تعلم أنه مع ذلك غفور واسع المغفرة يغفر و يستر و يقبل العذر و يضاعف اليسير و يؤت من لدنه أجرا عظيما.

فتأمل في الكمال الناشىء من اقتران العزة بالغفران بسابق ما أسلفنا من الصفات فرب عزيز لا يغفر و رب ملك غفور يذل و الله عزيز غفور لا يذل أبدا و هو مع عزته و امتناعه و استغناءه يغفر و يرحم .

فالكمال و فيض الخير و الملك و القدرة و العزة و الغفران هذه المعاني العظيمة هي التي ينبغي للمسلم أن يعرفها عن ربه من هذه الآيات.

*** الفوائد العملية في الآية:

1 -التأمل في عظمة ملك الله و قدرته المتمثلة في خلق الموت و الحياة و تدبر القهر لكل مخلوق في الموت .

2 -التأمل في الفرق بين المخلوقين مهما بلغوا و بين الخالق سبحانه و عدم الاغترار بأهل الباطل مهما بلغوا.

3 -شرف السابقون فهم صفوة الله من خلقه و لأجلهم خلق الموت و الحياة و الله أعلم - و ليس معني قولنا هذا أن هذه هي العلة الوحيدة بل هي علة رئيسية -.

4 -كل يسوس نفسه بما يصلح لحاله و يقترح الضرب بسهم في كل طاعة و لو قل هذا السهم و اللجأ و الدعاء و الاقتداء بالنبي صلى الله عليه و سلم فهو سبيل الكمال البشرى الذى أراده الله منا .

5 -التعلم ليحصل الفقة في الأعمال بتمييز خير الخيرين و شر الشرين عند التعارض.

6 -قراءة الفصل السابق ذكره من حال النبي صلى الله عليه و سلم و محاولة التأسي به أو قراءة ذلك الفصل ثلاث مرات.

7 -علاقة صفة العزة و المغفرة بما سبق.

8 -التأمل في صفة العزة و المغفرة و اقترانهما معا و مع ما سبق من الصفات.

9 -إعطاء البشر منزلتهم التي تليق بهم في القلب فلا يرفعون عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت