الصفحة 23 من 39

تفسير سورة الملك > الآية السابعة عشر

"أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ"الآية: 17

*** ثم زاد في التخويف فقال: { أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِى السماء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } .

***"أم":

لاضطراب الانتقال من غرض إلى غرض وهو انتقال من الاستفهام الإنكاري التعجبي الأول إلى آخر مثله فالاستفهام الأول إنكار على أمنهم الذي في السماء من أن يفعل فعلا أرضيا والاستفهام الواقع من ( أم ) إنكار عليهم أن يأمنوا من أن يرسل عليهم من السماء حاصب.

***"حاصبا":

قال ابن عباس: كما أرسل على قوم لوط فقال: { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا } [ القمر: 34 ] والحاصب ريح فيها حجارة وحصباء ، كأنها تقلع الحصباء لشدتها ، وقيل: هو سحاب فيها حجارة .

*** ثم هدد وأوعد فقال: { فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } :

1 -قيل في النذير ههنا إنه المنذر ، يعني محمدًا عليه الصلاة والسلام وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك ، والمعنى فستعملون رسولي وصدقه ، لكن حين لا ينفعكم ذلك .

2 -وقيل: إنه بمعنى الإنذار ، والمعنى فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول .

قال أبو حيان: والنذير والنكير مصدران بمعنى الإنذار والإنكار ، وقال حسان بن ثابت:

فأنذر مثلها نصحًا قريشا . . . من الرحمن إن قبلت نذيرا

قال بن عاشور: وحذفت ياء المتكلم من ( نذيري ) تخفيفا وللرعي على الفاصلة

قلت (أبو يوسف) : و المختار أن المعنى فستعلمون كيف تكون عاقبة إنذاري لكم فإن من قرأ القرآن رأى ذلك في مواطن كثيرة أن يذكر الله عذاب قوم ثم يأمر بالنظر في عاقبتهم قال سبحانه"وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [الأعراف/84] "و"ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف/103] "و"فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ [يونس/73] "و"فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [القصص/40] "و"قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الزخرف/24، 25] "و"ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [فاطر/26] "و"وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكير [الحج/44] "و الله أعلم.

*** و في هذه الآية و التي تسبقها التصوير الواقعي للمشهد فكأن السياق أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فحينها ترتج بكم و تنشق و تضطرب و تعاينون الأهوال و تهربون إلى غير مهرب و تتركون كل ما ورائكم فلا تلتفتون إليه و لا تكابرون حينها و لا تجحدون - ومن رأى زلزالا علم المراد - أم أمنتم من في السماء أن يجعلها تمطر عليكم الحجارة و حينها تعلمون عاقبة إنذاري لكم فتندمون أشد الندم و لا ينفع و لا يفيد ففي الآيتين صورة حية للمشهدين بما فيهما من الشقاء و الألم البدني و النفسي.

*** و في الآية توبيخ شديد و إنكار عظيم فما الداعي إلى الأمن و قد أجرمتم و كفرتم ؟ ما الذي يؤمنكم أن تتزلزل بكم الأرض أو أن تمطر السماء عليكم الحجارة أو غير ذلك من البلايا التي يقدر الله أن يوقعها بكم؟ما الذي يؤمنكم و قد رأيتم سنتي في من كذب من قبلكم؟ كيف تأمنون و قد كفرتم ؟ كيف تأمنون و تزيدون في طغيانكم ؟

فهذة دعوة للعقلاء للتأمل ما الذي يؤمنهم إن كفروا و أجرموا من عذاب الله؟

و ذلك ليس في وقت دون وقت أو حال دون حال بل قد يحل هذا البلاء في أي لحظة من ليل أو نهار و نسأل الله العفو والعافية و المغفرة فما أعظم إساءتنا و ما أحلمه علينا.

***و ( كيف نذير ) استفهام للتهديد والتهويل والجملة مستأنفة و مشهد العلو مع القهر الذي في الآيتين هو من أعظم صور الكمال و القدرة لمن تأمله خلافا للمعطلة فالرب العظيم في علياءه يترككم إمهالا و هو قادر على أن يفعل بكم و يفعل بكم.

*** و أصول النعم إما مما على الأرض أو ما تنبته أو ما يستخرج منها أو ما ينزل من السماء من ماء فيستخرج الله به الخيرات و الله قادر أن يجعل الأرض تمور و تنشق و السماء تمطر الحجارة فيبدل أصول النعم نقما و عذابا على الكفار و المجرمين.

***و لما خوف الكفار بهذه التخويفات أكد ذلك التخويف بالمثال والبرهان أما المثال فهو أن الكفار الذين كانوا قبلهم شاهدوا أمثال هذه العقوبات بسبب كفرهم فقال:"و لقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير".

*** فائدة و لو استطاع البشر أن يأمنوا خسف الأرض بأن يصنعوا ألات توقفهم في الهواء كالأجهزة النفاثة فإنهم لا يأمنون أن تمطر عليهم السماء الحجارة أو النار أو ما شاء الله من أنواع و أصناف العذاب فالله محيط بهم بقدرته من كل جهة و من كل وجه.

*** و في إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر:وأثبت الياء في نكير ونذير وصلا ورش وفي الحالين يعقوب.

*** الفوائد العملية في الآية:

1 -لا ملجأ و مهرب من الله إلا إليه.

2 -الخلق ليس لهم أمان من الله إن عصوه و بذلك يتبين لك سفه من عصى الله و أمن عقابه فالبلاء قد يقع به من أي ناحية و في أي لحظة و لم يؤمنه الله من ذلك.

3 -الاستغفار و الخوف من الله .

4 -تأمل المشهد الواقعي الذي تصوره هذه الآية و التي سبقتها.

5 -التأمل في عاقبة المنذَرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت