الصفحة 21 من 39

و يجدر بالذكر هنا الإشارة إلى أن أفضل النفقة على الأقرب ثم الأقرب قال صلى الله عليه و سلم:"أمك و أباك ثم أختك و أخاك ثم أدناك أدناك"و قال صلى الله عليه و سلم لمَيْمُونَةَ أم المؤمنين لما أعتقت وليدة:"وَلَوْ وَصَلْتِ بَعْضَ أَخْوالِكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ .أخرجه البخاري"

و هناك أحاديث كثيرة في هذا المعنى ليس هذا موطن ذكرها.

***"وكلوا من رزقه":

قال في التحرير: ومناسبة (وكلوا من رزقه) أن الرزق من الأرض والأمر مستعمل في الإدامة أيضا للامتنان وبذلك تمت استعارة الذلول للأرض لأن فائدة تذليل الذلول ركوبها والأكل منها فالمشي على الأرض شبيه بركوب الذلول والأكل مما تنبته الأرض شبيه بأكل الألبان والسمن وأكل العجول والخرفان ونحو ذلك .

*** و في الآية إشارة لطيفة فالله سبحانه يقول لعبادة لقد ذللت لكم الأرض و لم يكن لكم أبدا أن تسخروها و أودعت لكم فيها أرزاقكم و الطيبات و ليس عليكم إلا مجرد السعي و الاكتساب فاسعوا و كلوا من رزق الله و تمتعوا بالطيبات .

فالله سبحانه خلق لنا المطاعم الكثيرة و المشارب المختلفة و الطيبات المتنوعة و لو اجتمع الأنس و الجن على خلق ذبابة لم و لن يقدروا و لم يكلفنا إلا مجرد السعي و قد قدر لنا الأرزاق.

و بالمثال تتضح الأمور فكأن هناك ملكا عظيما خلق دارا كبيرة جدا تسع الخلق كلهم و تزيد ثم أودعها من المطاعم و المشارب و المنافع الشيء الكثير التي لم يكن لأحدهم بها علم و لا قدرة على إيجادها و قال للخلق اسكنوها و ليس عليكم إلا تحصيل الطيبات

و اشكروا فضلي عليكم و لكم المزيد.

قال سبحانه"ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما"فهو الذي خلق لكم الطيبات و هو الذي يسير لكم السفن في البحر لتنالوا من البعيد الذي لا تصلون إليه فتأمل في هذا رحمة الله في خلق المنافع و إيصال البعيد و احمد الله .

*** و لا يفوت هنا أيضا الإشارة إلى أن تنوع المطاعم و المشارب وكثرتها لذتها و إلا كان من الممكن أن يخلق للإنسان طعام واحد و شراب واحد و كفى و سيكون ذلك نعمة و منه و لكن الله الكريم أعطانا في الدنيا الكثير و للمؤمنين في الآخرة أكثر اللهم أجعلنا منهم.

***"وَإِلَيْهِ النشور":

أى البعث و الإحياء بعد الموت ومناسبة ذكر النشور هو ذكر خلق الأرض فإن البعث يكون من الأرض وهو بمثابة التذييل للآية .

*** الإنسان ينشغل بسعيه و رزقه فلا يرى إلا ما تدركه حواسه و يغفل عن حقيقة أمره و الله سبحانه يعلمه القواعد التي يسير عليها لينال سعادة الدنيا و الآخرة و لا يشقى و يخزى فالله هو الذي أودع له تلك الطيبات منة منه و رحمة و طلب منه السعي و لكن عليه أن يتذكر في سعيه أمور:

الأول: أن هذه النعمة من الله فليحمده و ليعلم له فضله و لا ينسب الفضل لنفسه و لا يكفر و يجحد هذه النعمة العظيمة.

الثاني: أن لا ينشغل بكسبه هذا عن خالقه.

الثالث: أن الدنيا زائلة و كل ما حوله و ما يسعى و يكد و يحرق قلبه في طلبه زائل و أنه راجع إلى الله فليحذر المخالفة و الركون إلى الدنيا .

الرابع: تأمل في تقديم المجرور في جملة ( وإليه النشور ) فالمرجع و النهاية لله وحده فالله هو الغاية و إليه المنتهى.

الخامس: أنه مجزى بما اقترفت يداه في سعيه و كسبه فالأرزاق و الأقوات التي في الأرض لم يترك الخلق ليحصلوا عليها بأي سعي بل هم محاسبون إن خالفوا أوامر الله سبحانه في سعيهم فظلموا و بغوا و نحو ذلك.

*** الفوائد العملية في الآية:

1 -تدبر مظاهر ذلولية الأرض و التأمل في قدرة الله و منته في تذليل الأرض الواسعة العظيمة للإنسان الضعيف الصغير و كذا تسخير ما في السماوات و التنبه إلى أن ليس للإنسان بذلك طاقة البتة فهي نعمة عظيمة لا يلتفت لها الكثيرون و لا يحسبونها من النعم و كذا تسخير السماوات و غيرها من النعم التي إن سألت أحدا أن يحصي نعم الله لم تخطر بباله فسبحان الذي خلق فأوسع.

2 -التأمل في مقدار الضعف البشري و عظمة المنة و الفضل الإلهي.

3 -الأرض لما ذللها الله ذلت أوليس الإنسان أحق منها بالذل لخالقه؟

4 -ما يغتر به الناس من التقدم و الاختراعات الحديثة إنما هو بنعم الله و ما أودعه في الأرض من خير و علمه للإنسان من علم و وهبه من عقل و هيأ له من أمان و ظروف ملائمة و لولا ذلك لما وصل لشيء و أن كل ما بلغه هو فقط الاستفادة من الخيرات التي وضعها الله له في الأرض أما مفرده أو بتجميعها و الاستفادة من السنن الكونية و العلم يقود الإنسان لمعرفة عظمة خالقه و قدرته و من تعلم و تدبر علم أننا ذرة أو أقل في كون الله و أن علم الله و قدرته و عظمته فوق إدراكنا.

و هنا لطيفة أن الإنسان لكي يتعلم العلم الشرعي و يتعبد يحتاج لظروف مهيأة و إلا فلو سُلط عليه كد الدنيا و ابتلى بما يشغله و لا بد له منه لما استطاع أن يصل في العلم و العمل إلى الغاية و الله أعلم قال تعالى"و كذلك مكنا ليوسف في الأرض و لنعلمه من تأويل الأحاديث و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون"و الذي هيأ للبشر ظروف الحياة و ذلل لهم الأرض حتى أبدعوا ووصلوا للتقدم العلمي الحالي رحمة منه بهم يُرجى منه أن ييسر الأحوال و يسخر الظروف لعباده الصالحين ليتعلموا و يتعبدوا و النبي صلى الله عليه و سلم قال للرجل الذي ينفق على أخاه العابد"لعلك ترزق به"فصدق الرغبة و سلوك سبيل الطاعة من أسباب الرزق و العافية و الله أعلم.

5 -السعي لمن أحتاج إليه لا يناقض الكمال و لا التوكل بل هو من الطاعات فلا يبتئس الإنسان بأنه يشغله أحيانا قهرا عن علمه أو عبادته فهو أمر قرآني و من سنن المرسلين و عمل صالح و هو لا يراد لذاته بل هو السبيل الشرعي للحصول على حاجات الإنسان و الإنسان لا ينفك عن حاجات و السعي مفاخرة و مراءاة محرم و من أسباب الرزق كفالة العباد أو المتعلمين و كل نفقة ينفقها المرء على نفسه أو أهله يحتسبها فهي في صدقة و خير الدراهم درهم أنفقه على أهله و يراعى في النفقة الأقرب فالأقرب.

6 -نعمة الله في خلقه ان أودع لهم أرزاقهم و الطيبات في الأرض ثم كلفهم مجرد السعي الحلال لتحصيل تلك النعم و الخيرات فالله أودع الأرض خيراتها و أقواتها التي تكفي خلقه و تفيض و إنما بن آدم هو الذي يجمع و يمنع و يظلم و يبغي.

7 -الدنيا زائلة فلا يركن إليها و إلى الله المنتهى و إليه المرجع و كلٌٌ محاسب بما كسب في سعيه و معاشه.

8 -النعمة في تنوع و كثرة المطاعم و المشارب و الطيبات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت