الصفحة 1623 من 1760

أبلغكم أنه تعالى يأمركم بثلاثة أشياء الأولى: {أن اعبدوا الله} والعبادة في اللغة الدعاء ومعناه أن يتوجه الإنسان بجميع طلباته صغيرها وكبيرها إلى الله وهو يعتقد أنه لا يملك تحقيقها أحد سواه وهذا هو التوحيد الكامل الذي جاءت به جميع الرسل من عند الله، ولذا قال صلى الله عليه وسلم الدعاء مخ العبادة وفي رواية الدعاء هو العبادة.

الثانية قوله: {واتقوه} أي راقبوه بمعنى ثقوا بأنه تعالى مطلع على كل ما تخفون وما تظهرون ولا يخفى عليه شيء من أمركم فاحذروا أن يراكم في أمر لا يرضيه.

الثالثة قوله: {وأطيعون} أي اقتدوا بي فيما آمركم به أو أفعله أمامكم من الأمور التعبدية وثقوا أنكم إذا وافقتم على ما ذكر وطبقتموه بكل دقة فإن الله يعدكم بشيئين أحدهما في الحياة الأخرى وهو أنه تعالى: {يغفر لكم من ذنوبكم} أي كل ما كان من ذنوبكم وهذا من كمال فضل الله إذ لو قال يغفر لكم ذنوبكم لكان معناه أن لا يؤاخذ على مجموع الذنوب ولكنه قد يؤاخذ على بعضها والثاني في هذه الحياة الدنيا وهو قوله تعالى: {ويؤخركم إلى أجل مسمى} أي أنه تعالى يزيد في عمركم حتى تبلغوا الألف بعد أن كانت أعماركم لا تتجاوز التسعمائة وقد دل الله بهذا على أنه تعالى قد جعل لعمر الإنسان في الحياة حدين أو ميقاتين حدًّا أدنى متروكًا أمر تقديره إلى عمل الإنسان يزيد وينقص وفق السنن المقدرة لذلك والتي أخبر الله بها في هذه الآية وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة بما ثبت في الصحيح عنه أنه قال «إن صلة الرحم تزيد في العمر» وإنه «لا يزيد في العمر إلا البر» أما الحد الأكبر أو النهاية الكبرى لعمر الإنسان فهذا ما لا يزيد ولا ينقص وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله: {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر} ثم قال: {لو كنتم تعلمون} إشارة إلى هذه الحقيقة وهي أن اتباع أوامر الله مما يؤدي إلى حصول الإنسان على هاتين النعمتين في الآخرة والدنيا ولقد ظل نوح يدعو قومه إلى ما أمرهم به الله فلما يئس منهم شكاهم إلى الله: {قال رب إذ دعوت قومي ليلًا ونهارًا} أي في مختلف أوقاتي: {فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا} أي هربًا مني وتباعدًا عني: {وإني كلما دعوتهم} في السر فرادى ومجتمعين إلى العمل بما أمرتني به على سبيل النصح: {لتغفر لهم} أي ليستحقوا مغفرتك كما وعدتهم قابلوني بأربع حالات الأولى أنهم: {جعلوا أصابعهم في آذانهم} أي صموا آذانهم عن سماع كلامي وامتنعوا عن الإصغاء إلي فلم يسمعوا شيئًا مما أقول، والثانية: {واستغشوا ثيابهم} أي تغطوا بها كي لا يسمعوا ولا يروا وجهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت