صحته وصحة ما جاءوا به من التوحيد والرسالة والبعث والجزاء وتكذيب أقوالهم، ذلك حتى حل بهم ما حل من عذاب. ثم أعقبها بسورة هود لبيان مزايا القرآن فأقسم أنه: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} لا تناقض فيه ولا تناسخ وإنما هو إجمال وتفصيل وترديد لقصص الرسل وما حصل بينهم وبين أقوامهم من جدل ومحاجة أثناء تبليغ الرسالة وعاقبة من آمن بهم ومن كذبهم ليكون من ذلك عظة وعبرة للناس على ممر السنين وقد ختم السورة بقوله تعالى لرسوله: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين} . ثم أعقبها بهذه السورة لبيان حقيقة القرآن فأقسم أنه بنصه العربي كلام الله الذي لا مراء فيه وأنه سيقص عليه فيه أحسن القصص مما لم يكن يعلم به من قبل وما من شأنه أن يثبت في النفس روح الطمأنينة واليقين بمبلغ عناية الله بمن يتولاه حتى لا يتطرق إلى قلب رسوله شيء من الخوف على نفسه ودعوته من الخصوم والأعداء وحتى لا يمل ولا ييأس من هداية قومه إلى الإيمان ولو بعد حين فلا بد أن يظهر الله دينه على الدين كله ولو كره الكافرون. وقد أتى بقصة نبي من أنباء الله رأى في صغره رؤيا منامية قصها على والده فبشره بما وراءها من اجتباء الله له وتعليمه من تأويل الأحاديث وإنعامه عليه بالنبوة والسلطان. فصدق ذلك ولم يداخله شك في تحقيق رؤياه واستعان على نيل ذلك من جانبه بالصبر على النائبات، والصمود بكليته في وجه مختلف الفتن والمغريات، حتى نال أعلى الدرجات فأقسم الله بالسر الذي أودعه في: {الر} وتقرأ هذه الحروف بأسمائها ساكنة هكذا: ألف، لام، را، بفتح الراء غير مهموز وقرئ بكسر الراء على الإمالة أن: {تلك} أي ما قصصناه عليك من حوادث الرسل ليست لمجرد العلم بها بل إنها: {آيات الكتاب المبين} لتتلوها على الناس فيتعظوا بها ويسيروا في الحياة على ضوء هديها: {إنا أنزلناه} أي الكتاب على رسولنا النبي العربي حال كونه: {قرآنًا عربيًّا} أي كلامًا مجموعًا ومقروءًا باللغة العربية الفصحى التي هي من أوسع اللغات دلالة على عدة معان عميقة ومرام بعيدة تدور حول غاية سامية هي تزكية النفس وإصلاح حال المجتمع: {لعلكم تعقلون} أي عسى أن تكون وسيلة لإيقاظ شعوركم وحملكم على استعمال ملكة العقل لإدراك ما وراء هذه الألفاظ من معان لا تدرك بغير هذه اللغة التي استعملها الله في خطاب خاتم أنبيائه وأنزل بها القرآن بالنص الصادر منه جل وعلا وقد نقله جبريل الأمين